قصة طلب بني إسرائيل رؤية الله جهرة⚜


 

قصة طلب بني إسرائيل رؤية الله جهرة⚜

الآيات: [55 – 56]


قوله تعالى : 

﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾

 ليس حكاية عن قوم مضوا فحسب، بل هو كشف عن حالٍ يتكرر في كل زمان مع النفوس إذا دخلت طريق القرب بغير أدب، فطلب بني إسرائيل للرؤية الجهرية هو في الحقيقة طلب النفس أن تُدرك الحق وهي بعدُ قائمة بنفسها، تريد الله كما تريد الأشياء، وتتعامل مع الغيب بعين الحس، وهذا هو عين الحجاب، لأن الحق سبحانه لا يُنال بالاقتراح ولا يُشاهَد مع بقاء الأنانية، فقولهم لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة هو دعوى خفية، فيها اشتراط وتسليط للعقل والحس على مقام الألوهية

وفي طريق السلوك هذا المعنى يتجلى حين يطلب السالك الكشف أو الذوق أو الشهود قبل أن يُستأصل من قلبه حب الظهور ودعوى الفهم، فيريد أن يرى قبل أن يموت، وأن يشهد قبل أن يفنى، وأن يعرف قبل أن يسلّم، فكان جواب الحق لهم 

﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾

 لأن التجلي إذا ورد على قلب غير مهيأ كان إحراقًا لا إحياء، وكانت الصاعقة هنا صاعقة تجلٍّ لا صاعقة انتقام، صاعقة سقوط الدعوى وانكسار النفس، إذ لا تحتمل النفس نور الحق وهي بعدُ ممتلئة بذاتها، فالحق إذا تجلى لشيء غير قابل أعدمه، لا قهرًا بل عدلًا، وهذا عين ما يقع للسالك إذا استعجل الفتح، فيأتيه الانكسار فجأة، أو الحيرة، أو ذهاب اللذة، أو انغلاق الطريق، فيظنها نقمة وهي في الحقيقة رحمة ستر وتأديب، لأن الله أغير على عبده من أن يتركه يهلك بنور لا يحتمله، ثم قال سبحانه ,: 

﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾

 إشارة إلى أن الصاعقة وقعت مع بقاء الشعور، أي أن النفس رأت سقوطها، وهذا أشد أنواع التأديب، لأن انكشاف العجز مع الإدراك يولد الذل، والذل هو أول أبواب العبودية الصحيحة، ثم قال جل شأنه :

﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾

 وهذا البعث ليس رجوعًا إلى الحال الأول، بل رجوع بعد كسر، وبعد علم، وبعد ذوق معنى العجز، فالموت هنا موت الدعوى لا موت الأجساد، والبعث هو الإذن بالرجوع إلى الطريق ولكن بأدب جديد، ومن هنا يعلم السالك أن كل سقوط بعد طلب متعجل إنما هو بعث مؤجل، وأن الله لا يقطع عبده إذا أخطأ في الطلب، لكنه يربيه بالمنع حتى يطهّر قصده، ولهذا ختم الآية بقوله : 

﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾

 لأن الشكر الحقيقي لا يكون إلا بعد معرفة قدر النفس، فالشكر هنا هو الرضا بالستر، والقبول بالمقام، وترك الاعتراض، وفهم أن أعظم العطاء أحيانًا هو أن لا تُعطى ما طلبت، لأنك لو أُعطيت لهلكت، وفي هذا سر عظيم لأهل الطريق، أن الرؤية ليست غاية السلوك، بل الفناء عن طلب الرؤية، وأن أعظم الحجب هو أن تطلب الله بنفسك، وأعظم الفتح أن يطلبك الله وأنت لا تشعر، فهذه الآية تُعلّم السالك أن الطريق ليس اقتحامًا بل تسليم، وليس نظرًا بل فناء، وليس مطالبةً بالكشف بل صدقًا في العبودية، فمن تأدّب نجا، ومن استعجل صُعق، ومن صُعق ثم تاب بُعث، ومن بُعث شكر، ومن شكر فُتح له باب المعرفة من حيث لا يدري، والله أعلم بسر كتابه، ومدد من حضرة النبي ﷺ


﴿وماتوفيقي إلا بالله ﴾

#الطريقةالمحمديةالعليةالهاشميةالشريفة .


⚜إشراقات لدنية

قناة عِلْمُ تَأْوِيلِ بَاطِنِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ* 


https://t.me/+ziHSQdEwQjkxMzRk

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال