⚜قصة بني إسرائيل مع نعم الله عليهم ⚜
(الآيات 40–61) من سورة البقرة
وعلاقتها بالسالك الى الله
༺✿༻༺✿༻༺✿༻༺✿༻
تذكيرهم بإنجائهم من فرعون، وفلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المنّ والسلوى، ثم جحودهم وتبديلهم، وطلبهم الطعام الأدنى بدل الأعلى.
هذه القصة في حقيقتها ليست خبرًا عن قومٍ مضوا، بل مرآة يُريك الله فيها نفسك في طريق السلوك؛ لأن القرآن لا يحكي الماضي ليُسلّي، وإنما يكشف السنن الجارية في النفوس.
فقوله تعالى: يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم هو نداء لكل قلب أُخرج من ظلمة الغفلة إلى نور التنبيه، فكل سالكٍ له فرعون، وله بحر، وله صحراء، وله منّ وسلوى، وله لحظة جحود إن لم يُحسن الأدب مع النعمة.
فرعون في القصة ليس رجلًا فقط، بل قهر النفس وهيمنتها، واستعباد العادة، وسلطان الشهوة على القلب. وإنجاء الله لبني إسرائيل هو عين إنجائه للسالك حين يوقظه من سُكر الدنيا ويكسر عنه قيود التعلّق، فيُريه طريق الخلاص. لكن الخروج من فرعون لا يعني الوصول، فالخروج بداية الطريق لا نهايته.
وفلق البحر هو انشقاق الأسباب أمام من صدق في الهجرة إلى الله؛ بحر الخوف، وبحر الوهم، وبحر الحسابات العقلية. يمر السالك حينها على بساط التوكل، بينما تغرق صفات فرعونه خلفه، لكنه إن التفت إليها عاد قلبه للاضطراب.
ثم تأتي الصحراء، وهي أخطر المراحل؛ مرحلة الفراغ بعد الانكسار، حيث لا دنيا تشد ولا آخرة تُرى. هنا يُظلَّل القلب بالغمام، أي بلطفٍ إلهي خفي، لا يُدركه السالك علمًا بل أمانًا وسكينة. وينزل المنّ والسلوى، وهو رزق القلوب بلا كلفة: ذكر، وطمأنينة، وأنس، وحضور، يعطيه الله بلا حول ولا قوة من العبد.
لكن أكثر السالكين يقفون هنا، ويظنون أن هذه الأحوال لهم، فيقعون فيما وقع فيه بنو إسرائيل: الملل من الرزق العلوي، وطلب التنويع، والحنين إلى مألوف النفس. فيقول القلب: نريد بصل الدنيا، وعدس العادة، وثوم الشهوة، أي نريد لذّات محسوسة بعد أن ذقنا رزق الغيب.
وهنا تظهر قسوة القلب لا بالكفر الظاهر، بل بسوء الأدب مع النعمة. فالمنّ والسلوى لا يُطلب له بديل، لأنه رزق المقربين، لكن النفس لا تصبر على ما لا تملكه بيدها. فيكون التبديل، ويكون الهبوط من مقام الإنعام إلى مقام الكدّ والتعب.
وقول موسى: أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير هو خطاب الشيخ لكل سالك استبدل حال الحضور بعادة الغفلة، واستبدل طعام القلوب بطعام النفوس. فالنزول إلى “مصر” ليس مكانًا، بل عودة إلى سلطان السبب بعد أن فُتح لك باب المسبب.
ثم تأتي الضربة الأخيرة: وضُربت عليهم الذلة والمسكنة، وهي ليست عقوبة خارجية فقط، بل حالة داخلية؛ ذلّ القلب للنفس، ومسكنته تحت سلطان الرغبات، لأن من لم يحفظ نعمة الله في الباطن، سُلبت منه في الظاهر.
وهكذا تكشف القصة للسالك أن: النجاة ليست بالخروج من فرعون فقط
ولا بالمرور في البحر فقط
ولا بالأحوال ولا بالأنوار
بل بالثبات والأدب مع النعمة
فكل نعمة لا تُقابل بالشكر تتحول ابتلاء، وكل حال لا يُحفظ بالأدب يُسلب، وكل منٍّ وسلوى لا يُصان بالقناعة ينقلب جوعًا روحيًا لا يشبع.
لهذا وُضعت هذه القصة في صدر السورة؛ لتقول للسالك:
احذر أن تكون في طريق الله بجسدك، وفي طريق نفسك بقلبك.
واحذر أن تطلب “تنويع الطعام” وأنت في حضرة المنّ والسلوى.
فالسير ليس بكثرة الخوارق، بل بحفظ العهد مع الله في السر.
༺✿༻༺✿༻༺✿༻༺✿༻
﴿وماتوفيقي إلى بالله ﴾
#الطريقةالمحمديةالعليةالهاشميةالشريفة
⚜إشراقات لدنية
قناة عِلْمُ تَأْوِيلِ بَاطِنِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ*
https://t.me/+ziHSQdEwQjkxMzRk
