التأويل اللدني لقصة استخلاف آدم ﴿عليه السلام ﴾وتعليمه الأسماء⚜ كما جاءت في سورة البقرة (الآيات 30–39)


 التأويل اللدني لقصة استخلاف آدم ﴿عليه السلام ﴾وتعليمه الأسماء⚜

 كما جاءت في سورة البقرة (الآيات 30–39)  


                ✦✦✦ ❁❁❁ ✦✦✦



حين قال الحقّ سبحانه للملائكة: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}، لم يكن يُخبِرهم عن مخلوقٍ من طين فقط، بل كان يكشف سرًّا من أسرار الوجود؛ أن الخليفة هو مظهرٌ يجمع الأسماء الإلهية كلها، وهو محلّ تجلّي الصفات، ومنه تعرف الخليقة ربَّها، وفيه تتجلّى أنوار القَدر في قوالب البشر.


قال الإمام القشيري: “الخليفة من قام مقام غيره، ولا يقوم أحد مقام الحقّ إلا بمقدار ما يُظهِر من صفاته”. ولأجل هذا قال العارفون: إن آدم ليس شخصًا فقط، بل هو نموذج الإنسان الكامل الذي يحمل القابلية لكل تجلٍّ إلهي.


فلما تساءلت الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا} لم يكن اعتراضًا منهم، وإنما هو كشفٌ عن طبيعة الخلق؛ لأن الملائكة يرون من صفات الجلال ما لا تحتمله الأرض، ويعرفون أن من يحمل قابليّة الاختيار سيحمل قابليّة السقوط، لكن الله أراد أن يُظهِر لهم سرًّا لا تدركه العقول المجرّدة: سرّ قابليّة الإنسان لتحمّل أنوار العلم اللدني، العلم الذي لا يُنال بكثرة التأمّل، بل بهِبة من الله. ولهذا قال الحارث المحاسبي: “لو نظرتم إلى آدم بعين الطين لضَعُف مقامه، ولكن انظروا إليه بعين النفخة، فإن النفخة سرّ العلم”.


ثم علّم الله آدم الأسماء كلها، وليس المقصود في العرفان أسماء الأشياء المحسوسة، وإنما أسماء الحقّ وصفاته، أي معانيها وأسرارها، وأن كل شيء في الوجود قائمٌ بالاسم الإلهي الذي يُحييه ويُقيمه. قال ابن عربي: “الأسماء التي عُلِّمها آدم هي حقائق الأشياء في الحضرة، فصار يعرف كل شيء من حيث نسبته إلى الله”. وهنا يظهر سرّ العلم اللدني: علم يشهده القلب لا العين، وتسمعه الروح لا الأذن.


فلما عجزت الملائكة عن معرفة ما عُلّم آدم، ظهر فضل الإنسان العارف على الملائكة الساجدين؛ لأن الملائكة مجالي طاعة، وأما الإنسان ففيه سرّ المحبة التي تجعله يخطئ ويتوب، ويقع فيقوم، ويضل ثم يهتدي، ولذلك قال الجنيد: “الطريق إلى الله بين الخوف والرجاء، ولا يعرف هذا المقام ملك مقرّب”. لهذا أمر اللهُ الملائكة بالسجود، فسجدوا للسرّ الإلهي في آدم، لا لشخص آدم. أما إبليس فامتنع، لأنه رأى الطين ولم يرَ النفخة، ورأى القالب ولم يرَ المعنى، فكان من الغاوين.


ثم أُسكِن آدمُ الجنة، لا جنة الجزاء بل جنة الابتداء، جنة التربية، ليبدو فيه سرّ آخر، وهو أن العارف لا يثبت على مقام واحد، بل يتقلّب بين تجلّيات الحق، ومن هذا التقلب وقع آدم في السهو، لا معصية عناد، بل عن محبة وطلبٍ للتجلّي. قال سهل التستري: “زلّة آدم لم تكن لبُعد، بل كانت لسرٍّ أراد الله إظهاره في ذريته”. فوسوس له الشيطان، ليسقط آدم إلى الأرض، لكن السقوط في نظر العارفين ليس سقوطًا حقيقيًا؛ بل نزولٌ إلى مقام العمارة والتكليف والخلافة. قال ابن عطاء الله: “ربما فتح لك باب الطاعة وما فتح لك باب القبول، وربما قضى عليك بالذنب فكان سببًا للوصول”.


فلما تاب آدم، لم تكن توبة الخائفين، بل توبة العارف الذي علم أن كل تجلٍّ له حكمة، وأن مقام العودة أحبّ إلى الله من مقام الثبات. فقبِل الله توبته، وعلّمه كلمات، وهي أسرار الدعاء والرجوع، ثم قال له ولزوجه: {اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا}، أي انزلوا إلى مقام السعي والعمل والمعرفة والمجاهدة، فالأرض ليست عقوبة، بل ميدان الولاية.


وهكذا يتجلّى السرّ الباطني في قصة آدم:

أن الله اختار الإنسان ليكون مرآةً لأسمائه، وجعل فيه قابلية العلم اللدني، وحدّثه بلا واسطة، وأقامه خليفة، ثم أنزله إلى الأرض ليترقّى من مقام العبودية إلى مقام الولاية. وأن السقوط لم يكن نهاية، بل بداية: بداية الطريق إلى الله.


قال أبو يزيد البسطامي: “لو لم يذنب آدم لافتخر على الخلق بنسبته، ولكن بالذنب صار أبًا للعارفين، لأنهم عرفوا ربهم بالرجوع إليه”.


وقال ابن الفارض:

وما كان إخراجُ الخليفةِ من سوى

لِيَرجِعَ قلبي في المقاماتِ أجمعِ


فالقصة كلها في نظر العارفين سفرٌ من الله إلى الله:

خلقٌ وتعليم، سقوطٌ وقيام، بُعدٌ وقرب، غفلةٌ وصحوة، حتى تتجلّى للإنسان حقيقة مقامه:

أنه خليفة، وأن العلم اللدني ميراثه، وأن أبواب الحضرة مفتوحة لمن طهّر قلبه وسار إلى مولاه.


                       ══✹◈✹══


﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ﴾

#الطريقةالمحمديةالعليةالهاشميةالشريفة


⚜إشراقات لدنية

قناة عِلْمُ تَأْوِيلِ بَاطِنِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ* 

https://t.me/+ziHSQdEwQjkxMzRk

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال