تأويل قصة الذي حاجَّ إبراهيم في ربه (النمرود) (سورة البقرة - الآية 258)


 

تأويل قصة الذي حاجَّ إبراهيم في ربه (النمرود)

(سورة البقرة - الآية 258)


هذه القصة هي قصة العقل إذا ادّعى الربوبية، وقصة القلب حين يشهد الفعل الإلهي فلا يلتفت إلى الجدل.


فقوله تعالى: 


ألم تر إلى الذي حاجَّ إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك


 يكشف أصل البلاء: أن العطاء إذا لم يُحفظ بالأدب صار حجابًا. فالملك هنا رمز للقوة والتمكين والعلم والقدرة، وكل ما يملكه الإنسان في الظاهر أو الباطن.


النمرود في العرفان هو الأنا المتضخّمة، التي تأخذ عطايا الله وتنسبها لنفسها، فتقول: أنا أُحيي وأميت. أي أنا أتصرف، أنا أقرر، أنا أفهم، أنا أختار. 


وهذه أخطر مراحل السلوك؛ حين يظن السالك أن ما عنده من فهم أو فتح أو تأثير هو منه لا بالله.


فلما قال إبراهيم: 


ربي الذي يحيي ويميت لم يكن يتكلم بلغة الجدل، بل بلغة الشهود. 


الإحياء هنا هو إحياء القلوب بنور التوحيد، والإماتة هي إماتة النفوس عن أوهامها. ل


كن النمرود لا يفهم الشهود، فينزل المعنى العالي إلى حيلة دنيوية، فيقتل هذا ويعفو عن ذاك، ويظن أنه أجاب.



وهكذا النفس حين تُحاجّ الوارد الإلهي:

تُفرغ المعنى من روحه

وتحوّل الحقائق إلى ألفاظ

وتظن أنها انتصرت وهي في غاية العمى


فإبراهيم لم يطِل الجدال، لأن الجدال مع الأنا لا يُثمر، بل نقله إلى موضع العجز الكلي:


فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها من المغرب.


الشمس في العرفان هي شمس الحقيقة، نور الهداية الذي لا يملكه عبد، ولا يصنعه عقل، ولا يتحكم فيه سلطان. 


هي نور الله إذا أشرق على القلب، فلا سلطان لأحد عليه. فكل من ادّعى الربوبية في النفس، يُمتحن عند شروق الشمس، لأنه لا يستطيع تحويل مسار النور.


فبهت الذي كفر، أي سقطت حجته دون حاجة إلى نقضها. 

والبهت في العرفان هو انكشاف العجز عند ظهور النور، لا بكثرة الكلام، بل بقوة الشهود. فالنفس قد تجادل طويلًا، لكن لحظة تجلٍّ واحدة تُسقطها.


وعلاقة القصة بالسالك عميقة وخطيرة: 


فكل سالك يمر بلحظة نمرودية، حين يُفتح له، أو يُمكَّن، أو يُستجاب له، فيرى نفسه. فإن نسب الفتح إلى الله نجا، وإن نسبه لنفسه حاجَّ الحق في قلبه.


وإبراهيم في السلوك هو القلب الموحد الذي لا يدخل في صراع مع النفس، بل يواجهها بنور لا تملك دفعه. لا يقول لها: أنت مخطئة فحسب، بل يُريها أنها عاجزة أصلًا عن التحكم في شروق النور.


فالآية تقول للسالك: لا تُجادل الأنا، بل واجهها بالحقيقة.


ولا تُكثر الحجة، بل أقم النور.

فالنور إذا حضر، سكت الباطل من تلقاء نفسه.


ومن عرف أن الشمس لا تشرق إلا بأمر الله،عرف أن كل فتحٍ ليس منه،وكل حياةٍ ليست بيده،وكل موتٍ ليس بسلطانه.


ومن هنا كانت خُلّة إبراهيم؛ لأنه لم يرَ لنفسه فعلًا مع الله، بل رأى الله فاعلًا وحده.


{ وماتوفيقي إلا بالله }

#الطريقة_المحمدية_العلية_الهاشمية_الشريفة


⚜إشراقات لدنية

قناة عِلْمُ تَأْوِيلِ بَاطِنِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ* 


https://t.me/+ziHSQdEwQjkxMzRk


إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال