تأويل قصة الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها⚜


 

تأويل قصة الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها⚜

(سورة البقرة الآية 259)


هذه القصة في ظاهرها عن إماتة مئة عام وإحياء الحمار، لكنها في باطنها صورة لمسيرة السالك بين الموت الروحي والحياة الحقيقية.


فالقرية الخاوية على عروشها هي القلب الميت بالغفلة.

 كل عرش فيها رمز لمقام أو عادة أو حبّ بُعد عن الله، والقلب الميت لا يملك رؤية الحقيقة، ولا يشعر بنور الله، بل يسكنه الجمود والسكون الروحي. عندما مرّ الرجل، رأى هذه القرية، أي وجد قلبه أو قلوب الناس الميتة، خالية من النشاط الروحي، خاوية من الذكر، مهجورة من الصدق والوعي.


إماتته الله مئة عام ليست عقوبة، بل رمز للتأمل والابتلاء الطويل. في حياة السالك، قد يمر بمراحل يشعر فيها أن قلبه صار حجرًا، لا يشعر بالذكر، ولا يطفو فيه أثر النور، وكأن روحه ميتة منذ زمن بعيد. هذه المدة الطويلة تمثل الصبر على الظلمة الطويلة، وهي اختبار لطهارة القلب، وهل سيصبر على الجفاف الروحي أم ييأس ويغرق في الغفلة؟


ثم بعثه الله، أي أحياه بعد طول الامتناع، لتكون له عين اليقين: 


أن الله قادر على إحياء قلبٍ مات في الغفلة مهما طال زمن الانقطاع.


وإحياء الحمار هو تجلي العمليّة الروحية في الخارج:

 كل طاقة وموهبة وغرائز كانت خامدة أو متبقية في النفس يمكن أن تُحيى حين يُستجاب القلب لله، ويعود النشاط الروحي والفعل الصالح نتيجة للفتح الداخلي.



والسر هنا أن الحمار لم يكن مجرد وسيلة نقل، بل رمز للقدرة على التحمل والعمل، أي أن الروح حين تُحيى، يعود لها القدرة على السير في الطريق، وحمل المسؤولية الروحية، وخدمة الحق.


التأمل العرفاني في القصة يعطي للسالك ثلاث إشارات:


1️⃣ الموت الروحي هو سنة:

 لا يأس منه، فهو اختبار وطريق لتجديد النفس، كما أن مئة عام لم تمنع البعث، بل كانت مرحلة استعداد للإحياء.


2️⃣ البعث بعد الموت هو تمكين للقلب الميت: 

ما غاب عنك النور فترة طويلة، لا يعني أنك محجوب إلى الأبد. الإحياء ممكن في أي لحظة إذ يأذن الله.


3️⃣ الفعل الخارجي يعكس الباطن: إحياء الحمار يذكّر السالك بأن كل حركة خارجية في الطريق

 (ذكر، عبادة، خدمة، نصيحة) هي انعكاس للفتح الباطني. النفس إذا أُحييت، يصير كل عمل حياة، لا مجرد حركة جسدية.


الرسالة للسالك:


لا تيأس إن شعرت بموت قلبك عن الحق، فالابتلاء الطويل هو مرحلة قبل الفتح.

كل ظلمة وركود هو فرصة لتجربة الصبر والصدق.

كل حركة حقيقية، مهما صغرت، علامة إحياء باطني.

ومن أعاد الله قلبه للحياة، صار له قدرة على السير في الطريق بثبات وقوة، كما أُحيي الحمار ليكون أداة للحركة والإنجاز.


{ وماتوفيقي إلا بالله }

#الطريقة_المحمدية_العلية_الهاشمية_الشريفة


⚜إشراقات لدنية

قناة عِلْمُ تَأْوِيلِ بَاطِنِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ* 


https://t.me/+ziHSQdEwQjkxMzRk

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال