تأويل قصة طالوت وجالوت⚜


 

تأويل قصة طالوت وجالوت⚜


الآيات 246–251)


هذه القصة هي قصة النفس حين تطلب النصر قبل أن تتهيأ له، وقصة القلب حين يطلب الملك وهو لم يُسلِّم بعد القيادة لله.


فطلب بني إسرائيل ملكًا هو طلب السالك حال التمكين، وطلب الظهور، وطلب الغلبة على الأعداء الباطنين، لكنه كثيرًا ما يطلب ذلك قبل كمال الأدب والتجريد.قولهم: 

ابعث لنا ملكًا نقاتل في سبيل الله 


و لسان المريد حين يقول: 

أريد مجاهدة، أريد فتحًا، أريد وصولًا.

 

لكن حين كُتب عليهم القتال تولّى أكثرهم، لأن الدعوى سهلة، أما الصدق فثقيل. 

وهكذا كل دعوى في الطريق يمتحنها الله بالفعل، لا بالقول.


ثم جاء الاختيار الإلهي لطالوت، لا لمن له النسب ولا المال، بل لمن له بسطة في العلم والجسم. وفي الإشارة: 


القيادة في الطريق ليست للأقدم ظاهرًا، بل للأوسع قلبًا والأثبت فهمًا والأقوى احتمالًا. 


فالحق يختار على ميزان الاستعداد لا على ميزان الصورة.

.اعتراضهم على طالوت هو اعتراض النفس على الشيخ أو المنهج حين لا يوافق هواها: 

كيف يُقدَّم علينا من لا نراه أكبر؟ وهنا يتعلم السالك أن الاختيار الإلهي لا يخضع لمقاييس النفس.


ثم جاءت علامة الملك: التابوت.

والتابوت في العرفان هو صندوق السكينة، أي حضور الطمأنينة ونزول الوقار في القلب.


 فحيث نزلت السكينة، ثبتت الشرعية الروحية. ليست العلامة كثرة الأتباع، بل سكون القلب عند الذكر.

ثم جاء الامتحان العظيم:

 

إن الله مبتليكم بنهر

.

والنهر هو نهر الدنيا واللذّات والمباحات، لا الحرام فقط. 


وأكثر السالكين لا يسقطون في الحرام، بل يسقطون في الإفراط في المباح. من شرب كثيرًا توقّف عن السير، ومن ذاق غرفة بيده — قدر الحاجة — عبر.


فلم يثبت مع طالوت إلا القليل، لأن الطريق بعد التصفية لا يبقى فيه إلا أهل الاقتصاد والصدق. وهذه سنّة: كلما اقترب النصر قلّ العدد وكثر الصفاء.


ثم ظهر جالوت، وهو في التأويل جبل النفس المتجبرة، كتلة الخوف والعادة والهوى المتراكم. يراه السالك ضخمًا فيفزع، ويقول: 

لا طاقة لنا اليوم


وهنا ينقسم السائرون:

قوم ينظرون إلى حجم جالوت

وقوم ينظرون إلى معية الله.


قال أهل البصيرة: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله. هذه ليست عبارة حماس، بل قانون شهود: من قاتل بالله لا بعدده، غلب.


ثم برز داود فقتل جالوت.


وداود هنا هو السرّ الصغير الخفي في القلب: صدقٌ خالص، أو ذكرٌ حاضر، أو خضوعٌ كامل. لم يكن داود قائد الجيش، بل كان صاحب إصابة واحدة صادقة. وهكذا النفس لا تُهزم بكثرة الرياضات فقط، بل بضربة صدق مركّزة.


الحجر الذي أصاب جالوت هو كلمة توحيد خرجت من قلب حاضر. 


قد يكرر السالك الأذكار سنين، ثم تخرج مرةً منكسرة صادقة، فتُسقط جالوت الداخل.


ثم قال تعالى: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض.


وفي الإشارة: 

لولا صراع المجاهدة داخل السالك بين نور القلب وظلمة النفس، لفسد باطنه. فالمعركة ليست عرضًا جانبيًا، بل نظام حفظ.


وعلاقة القصة بالسالك واضحة في قوانين الطريق:


- طلب التمكين قبل التزكية دعوى ممتحَنة


- الاختيار الإلهي لا يوافق دائمًا ذوق النفس.


- علامة القيادة الروحية: السكينة لا الشهرة.


- نهر الدنيا يُسقط أكثر السائرين لا الحرام الصريح.


- جالوت النفس يُهزم بضربة صدق لا بضجيج دعوى.


- القلة الصادقة أقوى من الكثرة المشتتة.


- النصر ثمرة إذنٍ إلهي لا قوة بشرية

فالآيات تقول للسالك سرًّا:

 لا تخف من جالوتك، خف من نهرك.

ولا تنشغل بكثرة الجيش، اشتغل بصدق الحجر.


فرب داود صغير فيك، يهزم جالوتًا عظيمًا إذا صحّ توحيدك


{ وماتوفيقي إلا بالله } 

#الطريقةالمحمديةالعليةالهاشميةالشريفة

⚜إشراقات لدنية

قناة عِلْمُ تَأْوِيلِ بَاطِنِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ* 


https://t.me/+ziHSQdEwQjkxMzRk


إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال