⚜تأويل الآيات من قصة إبراهيم عليه السلام والابتلاءات⚜



 ⚜تأويل الآيات من قصة إبراهيم عليه السلام والابتلاءات⚜ 

(124–129)الايات من سورة البقرة

 

حين يقول الحق سبحانه :


﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾


 فإنه يفتح باب السرّ في معنى الابتلاء، فالابتلاء عند أهل العرفان ليس امتحانَ معرفةٍ ولا اختبارَ طاعةٍ فحسب، بل هو تجريدٌ متتابعٌ للنفس من كل ما سوى الله، فكل “كلمة” ابتُلي بها إبراهيم كانت مقامًا يُسلَب منه اعتمادٌ، أو تُكسَر فيه رابطةٌ، أو يُنزع من قلبه تعلّقٌ، حتى لم يبقَ في قلبه إلا الله، فلما أتمّ الكلمات أي أتمّ الفناء عن نفسه والبقاء بربه، قال له الحق: 

 ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾


لأن الإمامة في الباطن لا تُعطى لمن سار، بل لمن فُني ثم أُقيم، ولمن لم يبقَ له رأيٌ ولا اختيارٌ مع الله.


ثم قال إبراهيم في مقام الشفقة الروحية لا في مقام الدعوى 



وَمِن ذُرِّيَّتِي

 

فجاءه الجواب الإلهي الفاصل : 

﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾


 إشارةً إلى أن هذا المقام لا يُورَث نسبًا ولا دمًا، بل يُنال بتصفية الباطن، وأن الظلم هنا ليس ظلم الناس فقط، بل ظلم النفس بحجابها عن ربها. ثم ينتقل السياق إلى بيت الله، فيقول 


﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾


، والبيت في التأويل هو قلب الإنسان الكامل، جعله الله موضع رجوعٍ لا موضع مرور، ومأمنًا لمن دخل حضرة التوحيد من تفرّق النفس، ثم جاء الأمر 


﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾


 أي قفوا حيث وقف الخليل: في مقام التسليم المطلق، حيث لا يبقى للسالك إلا الوقوف بين يدي الله بلا اعتراض ولا تدبير. ثم يأتي التطهير 


﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾،

 

وفي الباطن هو تطهير القلب من الأغيار ليصحّ الطواف حول الحقيقة، ويصحّ الاعتكاف في حضرة القرب. وحين يرفع إبراهيم يديه بالدعاء 

﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا﴾

 فهو لا يسأل أمن الحجر، بل أمن القلوب من الشرك والخوف والانقسام، ويسأل الرزق لأنه يعلم أن القلوب لا تثبت على الذكر إن جاعت، ثم يبلغ الدعاء ذروته حين يقول 

﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾،

 فغاية سلوك إبراهيم لم تكن المقام، بل إظهار الرحمة المحمدية التي تُكمِل ما بدأه الخليل، ثم يختم المشهد بقوله تعالى : 


﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾


 ورفع القواعد في العرفان هو إرساء أصول التوحيد في أرض القلب، ولا يتم ذلك إلا بمشاركة إسماعيل، أي بذبح الشهوة وتسليم الإرادة، ولذلك لم يقولا: تقبّل منا عملنا، بل قالا 

﴿تَقَبَّلْ مِنَّا﴾


 لأن العارف مهما علا لا يرى إلا الفقر، ولا يشهد إلا المنة، وهكذا تُعلّمنا آيات إبراهيم أن الطريق إلى الإمامة هو الابتلاء، وأن الابتلاء هو التجريد، وأن التجريد يورث مقامًا، وأن المقام الحق لا يُطلب لذاته، بل ليُهدى للخلق، فمن فهم سرّ إبراهيم، فهم أن السلوك كله دعاء، وأن النهاية ليست الوصول، بل الخدمة في حضرة الله


{ وماتوفيقي إلا بالله }

#الطريقةالمحمديةالعليةالهاشميةالشريفة


⚜إشراقات لدنية

قناة عِلْمُ تَأْوِيلِ بَاطِنِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ* 


https://t.me/+ziHSQdEwQjkxMzRk

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال