قصة إحياء الموتى لإبراهيم عليه السلام⚜


 

قصة إحياء الموتى لإبراهيم عليه السلام⚜

(الآية 260 من سورة البقرة )


إن إبراهيم عليه السلام لم يسأل لأن إيمانه ضعف، بل لأن قلبه أراد الانتقال من مقام التصديق إلى مقام المشاهدة. 

وهذا هو حال السالك حين يستقر في الإيمان أولًا، ثم لا يرضى إلا أن يرى أثر الإيمان حيًّا في قلبه.

قوله: 

رب أرني كيف تحيي الموتى

 هو لسان القلب السالك حين يقول:

يا رب لا أريد أن أعرف الإحياء علمًا فقط، أريد أن أذوقه في باطني.

فإحياء الموتى هنا ليس إحياء الأجساد، بل إحياء القلوب الميتة بالغفلة.

فجاء الجواب الإلهي:

 

أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي

.

وهذه هي مرتبة الطمأنينة التي يطلبها السالك بعد المجاهدة؛ طمأنينة لا تزول بالشك، ولا تضطرب بالابتلاء. فهي سكون القلب في شهود الفعل الإلهي، لا في مجرد التصديق به.

ثم جاء الأمر العجيب: 

خذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا.


والطيور في لغة العارفين هي الخواطر والميول والقوى الباطنية:

طائر الشهوة

طائر الهوى

طائر الوهم

طائر العقل المتكبر

أمره أن يأخذها ويصرهن إليه، أي يجمع قواه المشتتة تحت سلطان القلب، لأن القلب لا يحيى ما دام مبعثرًا بين أهوائه.

ثم أمره أن يقطعها، أي أن يفنيها عن صورتها الأولى، لا ليهلكها، بل ليحررها من سطوتها.

وضع الأجزاء على الجبال إشارة إلى أن هذه القوى حين تُذبح عن النفس، تُردّ إلى مواطنها الصحيحة:


الشهوة تُردّ إلى خدمة الطاعة

الوهم يُردّ إلى نور البصيرة

العقل يُردّ إلى التسليم

والهوى يُكسر حتى يصير تبعًا للأمر


ثم جاء النداء:

ثم ادعهن يأتينك سعيًا.

وهنا سرّ الطريق: 

ما ذُبح في الله يعود حيًّا بالله.


فالطيور التي قُطعت لا تعود ميتة، بل تعود محيّاةً بنور الأمر، مسرعة طائعة. وهكذا السالك: كل صفة ذبحها لله، عادته خادمًا له لا سيدًا عليه.


فالآية تقول للسالك:

لا تُقتل قواك، بل طهّرها ووجّهها.

لا تكسر النفس كسرًا أعمى، بل أمتها عن هواها وأحيها للحق.


وإحياء الطيور أمام إبراهيم هو كشف باطني للسالك حين يرى بعينه أن الفناء لا يلغي الوجود، بل يعيده أنقى وأصفى. فينتقل من علم اليقين


 (أن الله يحيي الموتى) إلى عين اليقين (أنه يرى الإحياء)، ثم إلى حق اليقين (أن الله هو الفاعل وحده).

وعلاقة القصة بالسالك تتجلى في ثلاث مراحل:


الأولى: مرحلة السؤال

حين يطلب القلب الذوق لا الاكتفاء بالخبر.


الثانية: مرحلة الذبح

حين تُجمع الصفات وتُكسر عن سلطان النفس وتُسلّم للأمر.


الثالثة: مرحلة الإحياء

حين تُعاد هذه الصفات نورًا يخدم السير بدل أن يعيقه.



ولهذا كان إبراهيم خليل الرحمن، لأن قلبه تعلّم كيف يموت عن نفسه ليحيا بالله، وكيف يفنى عن حوله ليبقى بشهود فعل ربه.


فالآية تخاطب السالك سرًّا:

إن أردت الطمأنينة، فاذبح ما يشتتك.

وإن أردت الحياة، فافنَ عمّا سوى الله.

وما أفنيته في الله، سيرده الله إليك حيًّا خاضعًا.

ومن هنا قال العارفون:

“من لم يذق الموت الاختياري، لم يذق الحياة الحقيقية”.


{ وماتوفيقي إلا بالله }

#الطريقةالمحمديةالعليّةالهاشميةالشريفة


⚜إشراقات لدنية

قناة عِلْمُ تَأْوِيلِ بَاطِنِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ* 


https://t.me/+ziHSQdEwQjkxMzRk

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال