تأويل قصة الإنفاق والجنة المحروقة
الآيات( 261–266)
في هذه الآيات الكريمة، يذكر الله تعالى أمثلة للإنفاق في سبيل الله، كما يوضّح الفرق بين الإنفاق الذي يؤدي إلى رضا الله وبين الإنفاق الذي يُبطل بوجود المنّ والأذى.
كما يروي أيضًا قصة الرجل الذي كانت له جنة وأصابها الإعصار، ليوضح كيف أن الأعمال الصادقة والمستقرة في قلوب المؤمنين تظل ثابتة، بينما الأعمال التي تفتقر إلى الإخلاص تتلاشى.
1. مثل الذي ينفق ابتغاء مرضاة الله
(الآية 261)
يُقارن الله تعالى مثل المنفق في سبيله بالشجرة الطيبة التي ترسخ جذورها في الأرض وتثمر بغزارة.
فالذي ينفق ابتغاء مرضاة الله تكون صدقته مثمرة، متزايدة، وغير منقطعة
كما أن الشجرة المباركة التي تكون مُثمرة دائمًا، تعطي ثمارًا عظيمة وتظل ثابتة في الأرض فيظل أثر العطاء باقٍ في العالم والأجيال القادمة
التأويل العرفاني:
إن الإنفاق في سبيل الله هو الاعتراف بأن كل ما في يديك هو هبة من الله
القلب الذي يصدق في العطاء، يُغني الله عليه ويُثمر له أعماله في الدنيا والآخرة
النية الطيبة عند السالك هي الجذر الثابت الذي يمده بالقوة، وكل عمل يُرسم في القلب لوجه الله ينتج أثرًا عظيمًا في الوجود.
٢. مثل من يبطل صدقته بالمن والأذى
(الآية 262)
يُحذّر الله في هذه الآية من المنّ والأذى بعد العطاء، حيث يبطل ذلك العمل ويصبح عديم الفائدة.
فالتساؤل: "ألم تُعطِ، ألم تُحسن؟"
يعبر عن غطرسة النفس حين تُظهر العمل وتطلب الشكر، أو تُضر بمشاعر الآخرين وتؤذيهم بعد أن أعطيتهم.
العمل الذي تَشوبه هذه الروح يُذهب ثوابه ويُحرمه من الأجر الحقيقي.
التأويل العرفاني:
المنّ والأذى في العرفان ليس فقط الحديث عن العطاء أو الضرر الجسدي، بل هو المقارنة بين العطاء والخوف.
فالسالك الذي يعطى بيدين مزدوجتين:
يد تتشدد بالأمل والأخرى تلوح بالانكسار أمام الناس، يفقد البركة في عمله. عندما ينتظر السالك الثواب من الناس بدلًا من الله، فإنه بذلك يُعطّل أثر عمله.
3. قصة الرجل الذي له جنة فأصابها الإعصار
(الآيات 263–266)
في هذه القصة، يذكر الله رجلًا كان له جنة مثمرة من كل نوع، وكان غنيًا بها.
لكن هذا الرجل حين وقع في الغفلة وترك شكر الله، أصابته عاصفة أدت إلى تدميرها بالكامل. كانت جنتُه ثمرة سعيه، لكن غروره وزهوه بما كان عنده أفقده النعمة.
الله في هذه القصة يبين أن النعمة التي تُستغل في غفلة وتُنسى فيها شكر الله تُصبح زوالًا، مثل الجنة التي لم يعبأ صاحبها بتقوى الله.
التأويل العرفاني:
هذه القصة تمثل الغفلة الروحية التي يصاب بها السالك عندما يظن أن النعم التي بين يديه هي ثمرة جهده الشخصي فقط.
الجمود في القلب وعدم الشكر هو ما يحول النعمة إلى بلاء.
السالك الذي يظن أن المال أو العمل أو الجاه هو الذي حققه بنفسه، يبتعد عن الطريق الإلهي، فتأتي العواصف (التحديات) وتكشف له زوال هذه النعم.
⚜إشارة مهمة:
الكنز الحقيقي في طريق الله هو النية الصافية والاعتراف أن كل شيء بيد الله، فإذا انغمس السالك في الغرور، يُحرَم من بركة الله.
علاقة القصة بالسالك
الإنفاق في سبيل الله هو علامة الإخلاص والتطهر من شهوات النفس. وكلما كانت النية خالصة لله، زادت البركة في العمل.
المقارنة بين العطاء الخالص والعطاء مع المنّ والأذى تُظهِر المزاج الروحي للسالك: هل هو يعطى ليشكر الله أم ليحصل على مدح؟.
الإعصار الذي دمر الجنة هو ما يحدث عندما يظن السالك أن أعماله تُحفظ بذاته، فيغفل عن الشكر لله، ويستبدل التوكل بالله بـ الغرور بالقدرات الشخصية، فيدمر ما كان في يديه.
خلاصة العرفان:
الإنفاق في سبيل الله يجب أن يكون محضًا لله، دون انتظار أجر من الناس. والصدق مع الله في العمل هو الذي يجعل السالك دائم النمو والبركة. عندما يكون السالك في طريق الله، يجب أن يتذكر دائمًا شكر الله على ما أعطاه، لأن كل نعمة هي هدية إلهية، وعليه أن لا يغتر بها أو يظن أنها من كده الشخصي.
﴿ وماتوفيقي إلا بالله ﴾
#الطريقة_المحمدية_العلية_الهاشمية_الشريفة
⚜إشراقات لدنية
قناة عِلْمُ تَأْوِيلِ بَاطِنِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ*
https://t.me/+ziHSQdEwQjkxMzRk
