تأويل قصة هاروت وماروت
(الآية 102)
هاروت وماروت: فتنة السرّ
وتمييز النور من الظلمة في قلب السالك
قصة هاروت وماروت في أرض بابل ليست حكاية عن سحرٍ يُتعلَّم، بل عن امتحانٍ يُكشَف به معدن القلب.
فالقرآن يذكر أن الملكين كانا يعلِّمان الناس، لكن لا يبدآن أحدًا حتى يقولا: “
إنما نحن فتنة فلا تكفر”.
وهنا يفتح الباب العرفاني:
ليس كل علمٍ نورًا، وليس كل كشفٍ رفعة، بل قد يكون العلم نفسه ميزانًا يُظهر ما في الصدر.
في طريق السالك، تأتيه لحظات يُفتح له فيها شيء من الإدراك، أو الإلهام، أو قوة التأثير، أو معرفة خفايا النفوس. هذه المقامات تشبه “علم بابل”:
قد تكون باب قرب، وقد تكون باب سقوط.
فالعبرة ليست بالعلم ذاته، بل بالقلب الذي يحمله.
السحر في ظاهره قلبُ الحقائق، وفي باطنه تقديم الهوى على الأمر الإلهي. لذلك ربطت الآية بينه وبين التفريق بين المرء وزوجه؛ لأن أول ما يفسده الهوى هو الروابط التي جعلها الله ميثاقًا.
والسالك إذا استعمل ما يُفتح له من أسرارٍ في خدمة ذاته، أو طلب الجاه، أو إظهار الكرامة، فقد وقع في “سحر النفس” وإن لم يمسّ تعويذة.
الملكان كانا يقولان:
لا تكفر. أي لا تجعل ما يُكشف لك بديلًا عن العبودية. فالفتنة ليست في وجود القوى، بل في نسبة القوى إلى نفسك.
هنا يقع كثير من السالكين: إذا ذاقوا حالًا روحانيًا، أو رأوا رؤيا، أو شعروا بتأثير دعائهم، ظنوا أن لهم خصوصية ذاتية، فينقلب النور ظلمةً خفية.
فمن منظور العرفان، هاروت وماروت يرمزان إلى باب الاختبار عند ظهور القدرة.
فالله قد يفتح لك بابًا لترى:
هل تثبت على التواضع؟ أم تميل إلى العجب؟
قد يفتح لك فهمًا عميقًا، فإما أن تشكر وتسجد، أو تُخاصم وتجادل.
قد يعطيك قبولًا بين الناس، فإما أن ترده إليه، أو تستعمله لرفعة نفسك.
والآية تختم ببيان أن من اشترى ذلك “
ما له في الآخرة من خلاق
” أي من باع قلبه مقابل أثرٍ دنيوي، فقد خسر نصيبه الحقيقي. فالسالك الحقيقي لا يطلب القدرة، بل يطلب العبودية. لا يسأل عن سرّ التأثير، بل عن سرّ الإخلاص.
إشارة الطريق هنا واضحة:
لا تطلب الكشف، بل اطلب الصفاء.
لا تطلب الكرامة، بل اطلب الاستقامة.
لا تنشغل بما يُفتح لك، بل بمن فتح لك.
فكل قوةٍ بلا أدبٍ فتنة، وكل علمٍ بلا خشيةٍ ظلمة، وكل فتحٍ بلا تواضعٍ سحرٌ خفيّ.
أما إذا بقي القلب مع الله، خائفًا متواضعًا، فإن الفتنة تتحول إلى رفعة، ويصير العلم نورًا، ويخرج السالك من “بابل النفس” إلى سكينة القرب.
وهكذا تصير قصة هاروت وماروت ميزانًا دائمًا في الطريق:
ما يُعطى لك ليس امتحانًا لقدرتك، بل لصدق عبوديتك.
⚜إشراقات لدنية
قناة عِلْمُ تَأْوِيلِ بَاطِنِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ*
https://t.me/+ziHSQdEwQjkxMzRk
﴿وماتوفيفي إلا بالله ﴾
#الطريقة_المحمدية_العلية_الهاشمية_الشريفة
