⚜المعنى العرفاني للآية الكريمة
من سورة الزمر: 42.
﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
هذه الآية العظيمة تفتح للسالك بابا من أبواب المعرفة بالله إذا وقف عندها بقلب حاضر، فهي تعلمه أن النوم ليس مجرد راحة للجسد، بل هو آية متجددة يشهد فيها العبد سلطان الله المطلق على الأرواح، ففي كل ليلة يقبض الله روحك ثم يردها إليك إن بقي أجلك، وكأن الحق سبحانه يذيقك في كل يوم معنى الموت ثم يبعثك من جديد لتراجع نفسك وتستأنف سيرك إليه. ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استيقظ يقول:
«الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور»
، فجعل النوم موتا أصغر يذكر بالموت الأكبر.
ومن هنا يدرك السالك أن روحه ليست ملكا له، وإنما هي وديعة عند الله، لا يملك إبقاءها ولا ردها، فإذا أوى إلى فراشه كان كمن يسلم نفسه كلها إلى مولاه، فلا يدري أيعود إلى الدنيا أم تكون تلك الليلة آخر عهده بها. فإذا استقر هذا المعنى في القلب زهد في الغفلة، وأقبل على التوبة ورد المظالم وكثرة الذكر قبل نومه، لأنه يعلم أن الذي يقبض الأرواح هو الله وحده.
وفي الإشارة العرفانية الموافقة لأصول الكتاب والسنة، فإن النوم يخف فيه سلطان الحواس، فينصرف القلب عن كثير من شواغل الدنيا، ولهذا قد يكرم الله بعض عباده بالرؤيا الصالحة، كما ثبت في السنة، فهي بشارة أو إنذار أو توجيه من الله، وليست قدرة يملكها العبد ولا تصرفا في العوالم الغيبية. فالروح لا تنتقل حيث تشاء، وإنما هي تحت قهر الله وتدبيره، يرسلها إذا شاء ويمسكها إذا شاء، كما قال تعالى:
﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
ولهذا كان أهل الإيمان يجعلون النوم عبادة، فينامون على طهارة، ويختمون يومهم بالاستغفار وذكر الله وقراءة ما تيسر من القرآن والأذكار الثابتة، لأنهم يعلمون أنهم مقبلون على لحظة لا يملكون فيها لأنفسهم شيئا. فإذا رد الله إليهم أرواحهم عند الفجر، رأوا في ذلك منة عظيمة، وكأن الله يقول لهم: قد أمهلتكم يوما جديدا، فاعملوا قبل أن يأتي القبض الذي لا إرسال بعده.
ومن تأمل هذه الآية علم أن الله يذكر عباده كل ليلة بحقيقة الفناء، فلا يغتر قوي بقوته، ولا غني بماله، ولا صحيح بصحته، لأن الجميع إذا ناموا استووا في الافتقار إلى الله، فلا أحد يستطيع أن يضمن رجوع روحه، وإنما يرجعها الرحمن برحمته إلى أجل كتبه، فإذا انقضى ذلك الأجل أمسكها، وانقطع العمل، وبدأ الحساب.
فهذه الآية ليست حديثا عن الموت والنوم فحسب، بل هي دعوة إلى دوام المراقبة، وإلى أن يعيش العبد بين القبض والرجاء، مستعدا للقاء الله في كل لحظة، فإذا أصبح شكر، وإذا أمسى استغفر، وإذا نام سلم أمره كله لربه، فيسير إلى الله بقلب خاشع، ونفس مزكاة، ويقين راسخ أن الأرواح كلها بيد الله، وأن النجاة ليست بكثرة الدعاوى، وإنما بصدق العبودية، ولزوم الكتاب والسنة، وحسن الاستعداد ليوم يقال فيه: لا رجعة بعد اليوم.
﴿ وماتوفيقي إلا بالله ﴾
#الطريقةالمحمديةالعليةالهاشميةالشريفة
⚜إشراقات لدنية
قناة عِلْمُ تَأْوِيلِ بَاطِنِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ*
https://t.me/+ziHSQdEwQjkxMzRk
