تأويل الآية فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ ⚜ سورة الإنفطار آية - (8)


 

⚜تأويل الآية 

فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ ⚜

سورة الإنفطار آية - (8)


حين يخاطبك الحق بقوله:  

﴿في أي صورة ما شاء ركبك﴾

 من القرآن الكريم فلا ينبغي أن تحصر المعنى في صورة الجسد التي تراها في المرآة، لأن الإنسان في طريقه إلى الله لا يمر بصورة واحدة بل يعبر صوراً متعددة، وكلما انتقل من عالم إلى عالم ظهرت فيه هيئة تناسب ذلك العالم وتكشف حقيقة ما غلب عليه من صفات، فالعارفون يرون أن الله جعل للإنسان قابلية التلون بحسب المقام الذي يسكنه باطنه، ولذلك فإن السالك لا يتغير فقط في حاله بل حتى في صورته الباطنية التي تتشكل مع كل انتقال، لأن الصورة عندهم ليست مجرد شكل بل ترجمة لحقيقة الداخل، وكل عالم يكشف طبقة من طبقاتك التي كانت مستورة عنك.


فأنت أول ما تبدأ في عالم الحس، عالم الملك، تكون صورتك صورة بشرية ترابية، لكن هذه الصورة الظاهرة لا تعني أن حقيقتك قد استقرت، لأن داخل هذه الصورة تتحرك قوى كثيرة؛ فإذا كانت النفس غالبة كان الإنسان وإن بدا بوجه إنسان يحمل في داخله صورة بهيمية، لأن همه يكون الطعام والرغبة والدفع والجذب، فيعيش وكأن باطنه مربوط بالأرض، ولهذا قال أهل السلوك إن كثيراً من الناس أجسادهم بشر ولكن باطنهم لم يغادر بعد طبقة الدواب، لأن الصورة الداخلية ما زالت خاضعة لغريزة الأخذ والاشتهاء، فإذا بدأ السالك يجاهد نفسه وخرج من أسر الشهوة بدأت صورته الأولى تتصدع، ويدخل إلى طور آخر.


ثم يدخل إلى عالم المجاهدة، وهنا تكون الصورة في الباطن صورة مقاتل بين نور وظلمة، لأن النفس لا تسلم بسهولة، فتارة تظهر في الداخل كأنها وحش يريد أن يردك إلى أسفل، وتارة كحية لأن المكر يظهر فيها، وتارة كسبع لأن الغضب يتحرك فيها، ولهذا كان بعض العارفين يقولون إن السالك في هذه المرحلة يرى نفسه كمن يحمل جسداً إنسانياً لكن تحته صور متعددة من أخلاق الحيوان، لأنه كلما ظهر خلق مذموم ظهرت له صورته المناسبة في الباطن، فالبخل صورة قبض، والكبر صورة ارتفاع كاذب، والحسد صورة نار تأكل صاحبها قبل غيره، وفي هذه المرحلة يبدأ الإنسان يدرك أن قوله تعالى ﴿في أي صورة ما شاء ركبك﴾ يشمل أيضاً ما يتشكل في داخله من هيئات أخلاقه.


فإذا غلب المجاهدة وانتصر على كثافة النفس دخل إلى عالم القلب، وهنا تتبدل الصورة من الكثافة إلى اللطافة، فيصير الإنسان في باطنه أقرب إلى صورة إنسان مضيء، لأن القلب إذا صفا بدأت الأنوار تتجمع فيه، ويشعر السالك كأن داخله صار أوسع من الجسد، وكأن صورته لم تعد محصورة في لحم وعظم بل صارت تحمل إشراقاً، ولهذا قال بعض أهل المعرفة إن أول علامة حياة القلب أن يشعر الإنسان بأن صورته الداخلية لم تعد ثقيلة ثم إذا دخل عالم الروح، عالم الملكوت، ظهرت صورة أخرى أدق، لأن الروح لا تحمل صفات الأرض، وهنا تكون الصورة نورانية بحسب مقدار الصفاء، فمنهم من تظهر روحه كأنها هيئة شفافة من نور، ومنهم من يغلب عليه لون المعنى الذي يسكنه؛ فالمحب يغلب عليه جمال، والخاشع يغلب عليه سكون، والذاكر يغلب عليه إشراق، وكأن الأخلاق هنا تتحول إلى ملامح، فلا تعود الرحمة معنى فقط بل تصبح هيئة، ولا يعود الذكر لفظاً فقط بل يصير نوراً يكسو الصورة.


ثم إذا عبر السالك إلى عالم السر، وهو مقام أدق عند أهل الطريق، ضعفت الصورة نفسها، لأن كثرة الحضور مع الله تجعل الإنسان أقل تعلقاً بإدراك نفسه، فيشعر كأن صورته تختفي ليبقى المعنى، ولهذا قال بعضهم إن السالك في هذا المقام لا يعود منشغلاً كيف يبدو، لأن حضوره مع الحق يستهلك التفاته إلى نفسه، فتصير الصورة أقرب إلى معنى قائم بنور السكينة.


أما في عالم البرزخ فإن الصورة تظهر على حقيقتها التي صنعتها الأعمال، ولذلك قال أهل العرفان إن الإنسان هناك لا يحمل الصورة التي كان يختارها للناس بل الصورة التي صنعها قلبه، فمن عاش على الرحمة ظهر في هيئة نورانية جميلة، ومن عاش على القسوة قد تظهر عليه هيئة تناسب ما كان يسكنه من الداخل، لأن البرزخ عالم تظهر فيه المعاني متجسدة، ولهذا يرى بعض الناس في المنام من ماتوا بأشكال مختلفة، لأن عالم البرزخ يكشف أثر الأخلاق في الصورة.


ثم في القيامة يكون الظهور الأكمل للحقيقة، فهناك لا ينفع التزيين الخارجي، بل يظهر الإنسان على مقدار ما حمل من نور أو ظلمة، ولهذا قال العارفون إن كل سجدة صادقة وكل ذكر خالص وكل دمعة خوف من الله إنما تنسج الآن ملامح تلك الصورة القادمة، وأنك في كل يوم تبني وجهك الذي ستلقى به ربك.


ومن هنا تفهم أن السير إلى الله ليس انتقالاً في الأفكار فقط بل تحولاً في الصورة الباطنية، فكل عالم تعبره يسقط عنك شكل ويولد فيك شكل آخر، حتى تصل إلى أن تصير الصورة خادمة للنور لا حاجبة له، ويصبح قلبك مرآة صافية تنعكس فيها الأسماء الإلهية؛ فيظهر فيك أثر الرحيم رحمة، وأثر الكريم سعة، وأثر العليم بصيرة، وحينها تدرك أن أعظم سؤال ليس كيف يراك الناس، بل بأي صورة يراك الله الآن، لأن هذه هي الصورة التي ترافقك في كل عالمبل صار فيها خفة وانجذاب إلى الأعلى.



﴿ وماتوفيقي إلا بالله ﴾

#الطريقةالمحمديةالعليةالهاشميةالشريفة



⚜إشراقات لدنية

قناة عِلْمُ تَأْوِيلِ بَاطِنِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ* 


https://t.me/+ziHSQdEwQjkxMzRk

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال