اثر وبركة تحزيب الصحابه في حياتهم ودنياهم*


 

⁉️   السؤال رقم ١٠٢
*اثر وبركة تحزيب الصحابه في حياتهم ودنياهم*

الجواب:على لسان شيخ الطريقةالمحمديةالهاشمية

تحزيب الصحابة رضي الله عنهم للقرآن لم يكن عادةً عابرة، ولا نظامًا شكليًا، بل كان سرًّا من أسرار تكوينهم الرباني، به تخرّجوا من مدرسة النبوة، وبه ثبتوا حين اضطربت القلوب، وبه فُتحت لهم أبواب الفهم والنور. كانوا يرون أن اليوم الذي يمرّ بلا قرآن هو يوم فقدوا فيه شيئًا من حياتهم، لأن القرآن عندهم لم يكن تلاوة لسان فقط، بل غذاء روح، وسند قلب، وميزان حال.

كان أحدهم يجعل لنفسه حزبًا معلومًا لا يتركه، مهما اشتدت عليه الأحوال، وقد اشتهر عنهم تحزيب القرآن إلى سبعة أجزاء تُقرأ في سبعة أيام، لكن العبرة لم تكن في العدد، بل في العهد… عهد لا يُنقض مع الله، أن لا يمرّ يوم دون وقوف بين يديه بكلامه.

تأمل حال عثمان بن عفان، الذي كان يُعرف بكثرة تلاوته، حتى قيل إنه ربما ختم القرآن في ليلة واحدة، لكن الأعجب من ذلك ليس كثرة الختم، بل شدة تعلّقه بالقرآن، فقد رُوي أنه كان إذا وقف على قوله تعالى: "فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد" بكى حتى تبتل لحيته، وكان يقول: “لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام الله”. لم يكن القرآن عنده كتابًا يُقرأ، بل حضرة يُدخل فيها قلبه كل ليلة، فيخرج منها وقد تغيّر.

وانظر إلى عبد الله بن مسعود، صاحب السرّ في القرآن، الذي قال: “والله الذي لا إله غيره، ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت”. لكنه مع هذا العلم، لم يكن يترك ورده أبدًا، بل كان يقوم بالليل، ويقرأ حزبه بترتيل وخشوع، حتى إن من سمعه ظن أن القرآن يُنزل عليه من جديد. وكان يقول: “لا تهذّوا القرآن هذّ الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل، وقفوا عند عجائبه، وحرّكوا به القلوب”.

أما عبد الله بن عمرو بن العاص، فقد أراد أن يبالغ في العبادة، فكان يختم القرآن كل يوم، فأرشده النبي ﷺ إلى التخفيف، حتى قال له: “اقرأه في سبع ولا تزد”، فصار له حزب ثابت لا يتركه. وهنا تتجلى الحكمة النبوية: ليس المطلوب أن تُرهق نفسك، بل أن تستقيم، لأن الطريق إلى الله يُبنى على الدوام لا على الاندفاع المؤقت.

ومن أعجب ما يُروى، أن بعض الصحابة كانوا إذا فاتهم حزبهم من الليل قضوه في النهار، وكأنهم فقدوا شيئًا لا يُعوّض. وهذا يدل على أنهم لم يكونوا يرون ورد القرآن نافلة يمكن تركها، بل كانوا يرونه جزءًا من حياتهم لا يقومون بدونه.

وتأمل حال عائشة بنت أبي بكر، التي عاشت مع النبي ﷺ ورأت قيامه بالقرآن، حتى قالت: “كان خلقه القرآن”، أي أنه لم يكن يقرأ القرآن فقط، بل كان يتحوّل إليه. وهذا هو الأثر الحقيقي للتحزيب: أن تنتقل من تلاوة الآيات إلى التخلّق بها، ومن سماع الخطاب إلى العيش فيه.

وكانوا إذا قرؤوا القرآن، لم يمرّوا عليه مرورًا سريعًا، بل يقفون عند الآية، يتفكرون، ويبكون، ويرددونها، حتى تتحرك بها قلوبهم. رُوي أن أحدهم قام ليلة بآية واحدة يكررها حتى الصباح، لأنه وجد فيها حاله، وكأنها خُصّت به دون الناس.

ولم يكن هذا التحزيب أثره في عبادتهم فقط، بل في ثباتهم في الشدائد. يوم اشتدت الفتن، وتكاثرت الابتلاءات، لم يتزعزعوا، لأن قلوبهم كانت مربوطة بالقرآن، فمن عاش مع كلام الله، هانت عليه كلمات الناس، ومن امتلأ قلبه بالنور، لم تؤثر فيه ظلمات الطريق.

وهنا يظهر السر العرفاني العميق:
أن تحزيب الصحابة للقرآن لم يكن تقسيمًا للكتاب، بل كان توزيعًا للنور على أيامهم، حتى لا يخلو يوم من إشراق. كانوا يعلمون أن القلب يصدأ، وأن القرآن هو جلاؤه، فكانوا يداومون عليه كما يداوم العطشان على الماء.

فمن أراد أن يسير على طريقهم، فلا يبدأ بالكثرة، بل بالعهد… اجعل لك حزبًا لا تتركه، ولو قليلًا، واقرأه بحضور لا بعجلة، وقف عند ما يمسّ قلبك، وكرره، وابكِ إن استطعت، أو تباكَ، فإن القلوب تُفتح بالمجاهدة. واعلم أن الفتح ليس في ختم القرآن مرات كثيرة، بل في أن يفتح لك باب الفهم والقرب، ولو في آية واحدة.

فالطريق ليس أن تقرأ القرآن…
بل أن يقرأك القرآن.

وليس أن تُنهي وِردك…
بل أن يبدأ بك الورد حياةً لا تنتهي.

﴿ وماتوفيقي إلا بالله ﴾
#الطريقةالمحمديةالعليةالهاشميةالشريفة


قناة باب السؤال وبحر الجواب - بين السائل والشيخ

https://t.me/+isZOB9iTJxE4OTVk

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال