(وفد نجران)
مواجهة الحق حين يقف النور أمام الجدل فلا يبقى إلا التسليم أو الانصراف
( سورة آل عمران من 59 -
61)
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (59)
﴿الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (60)
﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ (61)
هذه الآيات ليست مجرد حوار عقدي، بل هي مرآة دقيقة لحال القلب حين يواجه الحق، فكل سالك إلى الله يمر بلحظة "محاججة" داخلية، حيث يقف النور في قلبه في مواجهة بقايا الشك، والتعلّق، والاعتماد على العقل المجرد، فكما جادل النصارى في حقيقة عيسى عليه السلام، كذلك النفس تجادل في كل ما يخرق مألوفها، وكل ما يخرجها عن سلطانها.
ففي قوله تعالى:
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدم ﴾
إشارة إلى كسر القياس العقلي، لأن العقل بطبعه يقيس على العادة، فإذا رأى أمرًا بلا سبب، اضطرب، فجاءت الآية لتقول: إن من خلق آدم بلا أب ولا أم، قادر أن يخلق عيسى بلا أب، فلا تجعل قانونك الذهني حاكمًا على قدرة الله.
وهنا يُربّى السالك أن لا يقف عند حدود الفهم، بل يتجاوزها إلى التسليم، لأن الطريق إلى الله لا يُدرك كله بالعقل، بل يُشهد بالقلب.
ثم يأتي قوله: ﴿الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾
ليضع حدًا للجدل، فالحقيقة ليست ما يقتنع به العقل، بل ما يصدر عن الله، فإن وافقك فذاك فضل، وإن خالفك فذاك امتحان، فالسالك إذا قاس الحق بما يفهمه، حُجب، وإذا سلّم لما جاءه، فُتح له، لأن التسليم هو باب الكشف، والاعتراض هو باب الحجاب.
ثم تبلغ القصة ذروتها في آية المباهلة:
﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ... فَقُلْ تَعَالَوْا﴾
، وهنا ينتقل الأمر من "القول" إلى "الحال"، فبعد أن بُيّن الحق، لم يبق مجال للجدل، بل صار المطلوب صدق المواجهة، أن يضع كل طرف نفسه في مقام الصدق الكامل أمام الله، وهنا سر عظيم في الطريق:
أن بعض الحقائق لا تُثبت بالبرهان، بل تُكشف بالصدق، فإذا صدق القلب، تجلى له الحق بلا وسيط.
ولذلك لم يُقدِم وفد نجران على المباهلة، لأن النور إذا تجلّى بوضوح، تخشاه النفوس التي لم تتخلَّ عن حظوظها، فهم لم يُسلّموا، لكنهم أيضًا لم يواجهوا، فاختاروا الانصراف، وفي هذا إشارة دقيقة:
أن من لم يقبل الحق، فسيهرب منه، لأن الباطل لا يثبت في حضرة النور.
وعلى مستوى السالك، هذه الآيات تكشف له سرًّا مهمًا:
أنك إذا وصلت إلى مقام تُعرض عليك فيه الحقيقة واضحة، فليس أمامك إلا أحد طريقين:
إما التسليم فتُفتح لك الأبواب، أو الجدل فتبقى محجوبًا، لأن الجدل في الحقيقة ليس بحثًا عن الحق، بل دفاعًا عن النفس.
فكلما جاءك نور يخالف ما ألفته، لا تسأل أولًا "كيف"، بل اسأل "هل هذا من الله؟"، فإن علمت أنه حق، فاسجد له قلبًا قبل أن تفهمه عقلًا، لأن الفهم يأتي بعد التسليم، لا قبله.
وهكذا تتحول قصة محاججة النصارى من حدث تاريخي إلى ميزان داخلي، تقيس به حالك:
هل أنت من أهل التسليم إذا تجلّى الحق؟ أم من أهل الجدل الذين يقفون عند حدود عقولهم؟
فإن كنت من الأولين، فبشراك بالفتح، وإن كنت من الآخرين، فاعلم أن الطريق ما زال في بدايته.
وهنا يظهر سر العنوان:
"حين يقف النور أمام الجدل فلا يبقى إلا التسليم أو الانصراف"، لأنه لا يجتمع نور الحقيقة مع إصرار النفس، فإذا حضر أحدهما، غاب الآخر، والسعيد من اختار النور ولو خالفه عقله، لأنه سيُعطى بعد ذلك نورًا يفهم به ما لم يكن يفهم.
﴿ وماتوفيقي إلا بالله ﴾
#الطريقةالمحمديةالعليةالهاشميةالشريفة
⚜إشراقات لدنية
قناة عِلْمُ تَأْوِيلِ بَاطِنِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ*
https://t.me/+ziHSQdEwQjkxMzRk
