تأويل الاية ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14)﴾ سورة نوح


 


تأويل الاية ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14)﴾   

سورة نوح 


 من الآيات التي توقف عندها أهل الإشارة طويلًا، لأن ظاهرها يدل على التدرج في الخلق، وأما باطنها فيفتح بابًا لفهم سير الإنسان في مراتب الوجود كلها 


الطور في لسان العرب هو الحال التي ينتقل إليها الشيء بعد حال، أي أن الكائن لا يثبت على صورة واحدة، بل يسير من مرتبة إلى مرتبة.


 ولهذا قال أهل التفسير: خلقكم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظامًا ثم لحمًا ثم بشرا. لكن أهل العرفان رأوا أن المعنى أوسع من مجرد أطوار الجسد، فقالوا: إن الله لم يخلق الإنسان في طور البدن فقط، بل في أطوار الوجود كلها.


فالإنسان عند أهل المعرفة مرّ قبل ظهوره الأرضي بمقامات متعددة:


أولها: طور العلم: حين كان معلومًا في علم الله قبل ظهوره.

ثم طور التقدير: حين قُدِّرت حقيقته في الحضرة الإلهية.

ثم طور الأرواح: كما يشير إليه قوله تعالى في عالم الذر.

ثم طور الصورة العنصرية في الرحم.

ثم طور الحس في الدنيا.

ثم طور البرزخ بعد الموت.

ثم طور البعث.

ثم طور القرب أو البعد بحسب المآل.


ولهذا قال بعض العارفين: الإنسان مسافر بين أطوار لا تنتهي إلا إذا عرف أصله ومنتهاه.


وقد أشار محيي الدين ابن عربي إلى معنى قريب حين بيّن أن الإنسان جامع للعوالم، فقال إن فيه سرّ العالم العلوي والعالم السفلي، ولذلك يتقلب بحسب كل مرتبة تظهر فيه؛ فتارة يغلب عليه حكم الطين، وتارة حكم الروح، وتارة حكم العقل، وتارة حكم السر.


فإذا قيل: خلقكم أطوارا

فليس المقصود فقط اختلاف العمر، بل اختلاف المقامات الداخلية أيضًا؛ فهناك طور الغفلة، ثم طور اليقظة، ثم طور التوبة، ثم طور المجاهدة، ثم طور المعرفة، ثم طور الفناء، ثم طور البقاء بالله 


ولهذا قال أهل السلوك:

ليس كل الناس في طور واحد وإن تشابهت أجسادهم، لأن الأرواح تسكن في درجات مختلفة.


فالذي يعيش للشهوة طوره أرضي، والذي يعيش للمعرفة طوره نوراني، والذي غلب عليه الذكر دخل طور القلب، والذي غلب عليه الشهود دخل طور السر. 


﴿ وماتوفيقي إلا بالله ﴾

#الطريقةالمحمديةالعليةالهاشميةالشريفة


⚜إشراقات لدنية

قناة عِلْمُ تَأْوِيلِ بَاطِنِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ* 


https://t.me/+ziHSQdEwQjkxMzRk

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال