⚜قوم لوط فيك... حين تتمرد النفس على الفطرة وتغلبها الشهوة⚜


 ⚜قوم لوط فيك... حين تتمرد النفس على الفطرة وتغلبها الشهوة⚜


﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ۚ قَالَ يَا قَوْمِ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾


سورة هود: ٧٨

قوم لوط في هذه القراءة الإشارية يمثلون قوى النفس حين تستولي عليها الشهوة فتخرج بها عن الفطرة التي فطر الله العبد عليها.


 فقوم لوط لم يكونوا مجرد أصحاب شهوة بل كانوا صورة لنفس غلبت عليها شهوتها حتى صار الهوى عندها بديلا عن الهدى وصارت تطلب لذتها ولو على حساب الطهارة والفطرة والحدود التي أقامها الله في النفس.

وقوله تعالى 


﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾


 فيه إشارة إلى أن النفس إذا استولت عليها الشهوة لا تأتي إلى باب القلب في سكينة واختيار بل تهرع إليها بقوة الدافع وتدفع صاحبها نحو ما يوافق هواها حتى يكاد السالك يفقد سلطان الإرادة أمام سلطان العادة والشهوة.


وقوله تعالى 


﴿وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾

 

يكشف أن الانحراف لا يبدأ لحظة سقوط الإنسان وإنما تسبقه مقدمات خفية تتكرر حتى تصبح للنفس طرق مألوفة تسلكها كلما ثارت شهوتها. ولهذا فإن أخطر ما في النفس ليس ظهور الشهوة وإنما اعتياد القلب الاستجابة لها حتى يرى القبيح مألوفا والمنكر مستساغا.


ثم يأتي صوت الفطرة على لسان لوط عليه السلام 


﴿قَالَ يَا قَوْمِ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾.

 

 أي أن أمام النفس طريقا طاهرا مشروعا يوافق الفطرة بدلا من الطريق الذي يقودها إلى الانحراف.


فكأن لوطا عليه السلام في باطن السالك هو صوت النبوة والضمير والفطرة والشرع حين يقول للنفس: 


ليس كل ما تشتهين طريقا إلى الله وليس كل لذة دليلا على الوصول إنما الطهارة في أن تضعي الشهوة في موضعها الذي أذن الله به.


وأما معنى بناتي في الآية : فهي الاركان الأربعة الصالحة في نبي الله لوط 

الروح والقلب والعقل والنفس


وهي بمعنى تزكيته لقومه بالرسالة التي بعث بها وعلى قومه الخضوع لأمره 


هنا الاركان الاربعة ستشرق بنور الهدايه على قلوبهم 

 فإذا صلحت هذه القوى وتعاونت تحت سلطان الشرع أصبحت النفس قابلة للسير إلى الله أما إذا انفردت الشهوة بقيادة الإنسان تحولت بقية القوى إلى خدم للهوى.


وهنا تظهر دقة قوله تعالى 


﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾


 لأن علاج الانحراف ليس بمجرد قمع الشهوة بل بإعادة التقوى إلى مركز القيادة. التقوى تجعل الإنسان يرى الله قبل أن يرى لذته ويرى عاقبة الفعل قبل أن يرى بريق الشهوة.


ثم قوله 


﴿وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾


 فيه لطيفة عظيمة للسالك:


 الضيف في الظاهر هم ضيوف لوط عليه السلام، أما في القراءة الإشارية فيمكن أن يرى السالك فيهم معنى الواردات النورانية التي تدخل على القلب. فإذا نزلت في قلبك معاني الإيمان والحياء والذكر والطهارة فلا تجعل النفس الشهوانية تنتهك حرمة هذه الواردات.


فالضيف قد يكون لحظة يقظة يرسلها الله إلى قلبك وقد يكون علما يوقظك وقد يكون نداء توبة وقد يكون نفورا من معصية. فإذا هجم الهوى على هذه المعاني وأطفأ نورها فقد خانت النفس أمانة القلب.


ثم تأتي الصرخة العميقة:


﴿أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾


والرشد هنا في الإشارة هو القوة التي تستطيع أن تقف أمام سلطان النفس ولا تنقاد لها. فليس المقصود بالرجل في التدبر الإشاري مجرد الذكورة الجسدية وإنما معنى الرجولة الباطنة:


ثبات الإرادة وشدة العزم والقدرة على رد النفس إلى الحق.


وكأن لوطا عليه السلام يسأل النفس:


أليس فيك عقل يرجعك؟

أليس فيك قلب يردك؟

أليس فيك إيمان يمنعك؟

أليس فيك فطرة تقول لك هذا ليس طريق الطهارة؟


فإذا لم تجد في الإنسان هذه القوة ظهر معنى غياب الرشد؛ لا لأن العقل معدوم بالضرورة وإنما لأن نور العقل صار مغلوبا تحت سلطان الهوى.


ومن هنا يمكن أن نفهم القصة في مقام السلوك باعتبارها صراعا بين فطرة تريد الطهارة ونفس تريد اللذة. ولو انتصر الهوى أخرج السالك من الاعتدال، ولو انتصرت الفطرة بقيت الشهوة في موضعها الذي شرعه الله وتحولت من قوة تستعبد الإنسان إلى قوة تخدم الإنسان في الحلال.


والطريق إلى الله ليس أن يقتل السالك قواه وغرائزه وإنما أن يعيد كل قوة إلى مقامها: العقل قائدا والشرع ميزانا والقلب متوجها والروح طالبة والنفس مؤدبة والشهوة خادمة للفطرة لا حاكمة عليها.


ولهذا فالقصة كلها يمكن أن تكون مرآة للسالك:


قوم لوط فيك هم النفس إذا ثارت بالشهوة.

ولوط فيك هو صوت الفطرة والشرع.

وضيوفه هم معاني النور التي تنزل على القلب.

والرشد هو القوة التي تمنع النفس من انتهاك حرمة القلب.

والطهارة هي أن تعود كل شهوة إلى موضعها الذي أذن الله به.

والنجاة أن لا تجعل النفس إماما لك بعد أن خلق الله فيها من يهديها إلى سبيله.


وأعمق ما في الآية أن المعركة ليست دائما بين إنسان وشيطان خارجي؛ أحيانا يكون الحجاب الأقرب هو نفس الإنسان حين تطلب ما يخالف الفطرة ثم تحاول أن تقنع القلب أن هواها هو الحق.


وهنا يبدأ السير الحقيقي: أن يعرف السالك من الذي يتكلم في داخله حين يقول: أريد... أهو القلب إذا أريد الله؟ أم النفس إذا أريدت لذتها؟ فالعارف لا يصدق كل خاطر يمر بقلبه، وإنما يرده إلى الكتاب والسنة والشرع والفطرة السليمة، فما وافقها قبله وما خالفها تركه، وبذلك تنتقل النفس من مقام المطالبة إلى مقام العبودية ومن سلطان الشهوة إلى سلطان التقوى.

🌴🌴🌴🌴🌴

لمتابعة المزيد من التأويل العرفاني للآيات الكريمة في القرآن الكريم

يرجى متابعة قناة 


⚜إشراقات لدنية

قناة عِلْمُ تَأْوِيلِ بَاطِنِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ* 


https://t.me/+ziHSQdEwQjkxMzRk


﴿ وماتوفيقي إلا بالله ﴾ 

#الطريقةالمحمديةالعليةالهاشميةالشريفة

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال