⚜السَّفِينَةُ الَّتِي عَابَهَا الْخَضِر⚜ حِينَ يَكُونُ الْكَسْرُ عَيْنَ النَّجَاةِ


 ⚜السَّفِينَةُ الَّتِي عَابَهَا الْخَضِر⚜

 حِينَ يَكُونُ الْكَسْرُ عَيْنَ النَّجَاةِ


في قصة موسى والخضر عليهما السلام يفتح القرآن للسالك بابًا عظيمًا من أبواب الحكمة في قوله تعالى: 


﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: 79]

 فالسفينة في ظاهر القصة ملك لمساكين يعيشون من عملهم في البحر، وكان العيب الذي أحدثه الخضر فيها يبدو لأول وهلة إفسادًا لمصدر رزقهم، لكن حين انكشف المستور ظهر أن ما ظنه النظر البشري ضررًا كان في الحقيقة سببًا في الحفظ، فالسفينة السليمة كانت ستُغتصب، أما السفينة المعيبة فكانت ستبقى لأصحابها

وهنا تبدأ الإشارة العميقة: 


الإنسان يرى صورة الحدث، أما الله سبحانه فيعلم بدايته ونهايته وما وراءه من الأسباب والمآلات؛ ولذلك قد يكون في ظاهر حياتك كسر لا تفهمه، ومنع لا تعرف حكمته، وتأخير لا تدرك سببه، وإغلاق باب كنت تظنه باب الخير، بينما تكون حقيقة الأمر أوسع من نظرك، قال تعالى:

﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]

 

ومن هنا يمكن للسالك أن ينظر إلى السفينة كرمز لقلبه الذي يخوض بحر الدنيا، يحمل إيمانه ونيته وسيره إلى الله، والبحر صورة لعالم الأسباب والابتلاء والتقلب، والملك صورة لكل فتنة يمكن أن تستولي على القلب فتأخذه من صاحبه، فقد تكون الفتنة مالًا أو جاهًا أو شهرة أو مدحًا أو تعلقًا بالخلق أو إعجابًا بالنفس أو حتى تعلقًا بالحال الروحي والمقام والكرامة، ولذلك قد يكون العيب الظاهر في السفينة سببًا في نجاتها، كما قد يكون انكسار شيء في النفس سببًا في نجاتها من شيء أعظم؛ فقد ينكسر فيك حب الظهور فيُحفظ إخلاصك، وينكسر فيك العجب فتعود إلى الافتقار، ويتأخر عنك الفتح فتتعلم الصبر، ويُغلق عنك باب فتتوجه إلى رب الأبواب، وتسقط بعض الأسباب من يدك حتى تعلم أن المتصرف الحقيقي ليس السبب وإنما مسبب الأسباب؛ 


وهذه ليست دعوة إلى طلب البلاء أو تفسير كل مصيبة تفسيرًا باطنيًا جازمًا، وإنما هي تربية للقلب على حسن الظن بالله وعدم التسرع في الحكم على أقداره، فليس كل فقد عقوبة، وليس كل عطاء إكرامًا، وليس كل تأخير حرمانًا، وليس كل انكسار سقوطًا، وإنما العبرة بما يفعله ذلك كله بقلبك؛


فإن ردك العطاء إلى الشكر فهو نعمة، وإن ردك المنع إلى الافتقار فهو تربية، وإن ردك البلاء إلى الصبر فهو تزكية، وإن جعلتك المحنة أصدق مع الله فقد خرجت منها بمعنى أعظم مما دخلت به؛ 


والسفينة هنا تعلم السالك أن المقصود ليس أن تكون حياته بلا عيوب، وإنما أن تبقى سفينته صالحة لعبور البحر، فقد يكون الكمال الظاهري سببًا في الهلاك، بينما يكون النقص الظاهر سببًا في النجاة، ولذلك لا ينبغي للسالك أن يفتن بصورة نفسه ولا بكثرة أحواله ولا بما يراه من فتح أو قبض، لأن أعظم ما يُخشى عليه أن تصبح السفينة نفسها حجابًا عن صاحب السفينة، فيتعلق بالعمل وينسى المعمول له، ويتعلق بالحال وينسى رب الأحوال، ويتعلق بالكرامة وينسى مقام العبودية؛ ولهذا كان العيب في السفينة حماية لها من الملك، وكأن في القصة إشارة إلى أن القلب قد يحتاج أحيانًا إلى كسرٍ يسقط عنه دعوى الاستقلال حتى يبقى عبدًا فقيرًا إلى الله؛ ثم إن التعبير القرآني يحمل أدبًا لطيفًا في قوله: 


﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾، ثم قوله: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ﴾، ثم قوله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾

 


وفي هذا من أدب الخطاب مع الله ما يفتح للسالك بابًا آخر؛ فالمقام ليس مقام ادعاء علم الغيب، ولا أن ينسب الإنسان إلى نفسه علم الأسرار، وإنما مقام التسليم لله مع الوقوف عند حدود ما علّمه الله؛ فالخضر نفسه لم يفسر لموسى الأمر قبل أن تأتي لحظة الكشف، لأن الإنسان لا يملك الإحاطة بالحكمة الإلهية، ولذلك كان أعظم ما يتعلمه السالك من هذه القصة أن يثق بالله دون أن يدعي معرفة الغيب، وأن يصبر دون أن يزعم أنه فهم الحكمة، وأن يحسن الظن دون أن يتكلف تفسير كل حادثة؛ فربما تنظر اليوم إلى سفينتك فتراها مثقوبة، وتظن أن الطريق قد انتهى، بينما تكون الرحمة قد عملت فيها من حيث لا تشعر، وربما يكون بعض ما فقدته قد حفظ لك ما هو أعظم منه، وربما يكون الباب الذي أُغلق في وجهك قد صرف عنك فتنة لم تكن تراها، وربما كان الكسر الذي أبكاك هو الذي منع يدًا أخرى من اغتصاب قلبك، ولهذا فإن أعمق سؤال في قصة السفينة ليس: 


لماذا كُسرت؟ وإنما: هل أستطيع أن أثق برب السفينة وأنا لا أفهم سبب الكسر؟ 


هنا يبدأ مقام العبودية؛ أن تمضي في البحر ولا تملك علم الغيب، وأن تأخذ بالأسباب دون أن تعبدها، وأن تحزن دون أن تيأس، وأن تتألم دون أن تسيء الظن بالله، وأن تعلم أن علمك محدود وأن علم الله محيط، وأن ما تراه نهاية قد يكون في علم الله بداية، وما تراه نقصًا قد يكون حفظًا، وما تراه منعًا قد يكون إعدادًا، وما تراه كسرًا قد يكون إعادة تشكيل لسفينة قلبك حتى تعبر بها إلى بر الأمان؛ 


فالسفينة لم تُعَب لتغرق، وإنما عُيبت لكي لا تُؤخذ، والقلب قد ينكسر لا ليهلك، بل ليتحرر من كل ما كان يريد أن يمتلكه، ولذلك لا تنظر دائمًا إلى ما انكسر في حياتك بعين الفقد، بل انظر إليه بعين العبودية واسأل:

ماذا علمني هذا؟ ماذا أسقط من قلبي؟ إلى من ردني؟ وما الذي حفظه الله لي وأنا لا أعلم؟ فرب السفينة أعلم بالسفينة، ورب القلب أعلم بالقلب، وربما كان الشيء الذي بكيت عليه طويلًا هو نفسه الشيء الذي لو بقي كاملًا لأغرقك، وربما كان أعظم لطفٍ مر بك هو لطفٌ لم تتعرف إليه إلا بعد زمن؛ فلا تحكم على سفينتك وهي في وسط البحر، فقد يكون الكسر الذي تراه اليوم هو الذي سيحفظها حتى تصل.


﴿ وماتوفيقي إلا بالله ﴾

لمتابعة المزيد من التأويل العرفاني للآيات الكريمة في القرآن الكريم

يرجى متابعة قناة 


⚜إشراقات لدنية

قناة عِلْمُ تَأْوِيلِ بَاطِنِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ* 


https://t.me/+ziHSQdEwQjkxMzRk

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال