سرّ الغلام والولد في خطاب زكريا ومريم عليهما السلام ودقائق الاختيار القرآني بين الخصوص والعموم
الجواب في هذا أن القرآن يضع كل لفظ في موضعه على قدر المقام والحال، فقول زكريا عليه السلام قال
رب أنى يكون لي غلام
ليس كقول مريم عليها السلام قالت
رب أنى يكون لي ولد
لأن المقامين مختلفان في باطنهما وإن اشتركا في صورة التعجب.
فزكريا عليه السلام كان قد بُشّر بولد معين معلوم الصفة والرسالة، وهو يحيى عليه السلام، فصار الكلام متعلقًا بمولود مخصوص حاضر المعنى في قلبه، لا بمجرد أصل النسل، ولذلك جاء لفظ غلام لأن الغلام أدل على الذكر المعين المبشَّر به، وكأن الخطاب هنا يشير إلى ثمرة مخصوصة خرجت من دعاء طويل وانتظار ومدد إلهي بعد كبر السن وعقر الزوجة، فتعجبه لم يكن من مطلق الولادة فقط، بل من حصول هذا الغلام بعينه مع قيام الموانع الظاهرة.
أما مريم عليها السلام فمقامها مختلف، لأنها لم تكن أمام بشارة على الصورة التي كان عليها زكريا من جهة الأسباب المعتادة والذرية المنتظرة، بل كانت في مقام ظهور القدرة المحضة التي تنشئ الخلق من غير أب، فلذلك قالت أنى يكون لي ولد، ولم تقل غلام، لأن تعجبها كان من أصل حصول الولد نفسه لا من تعيين صفته، فهي تتساءل عن سر الإيجاد من غير مسيس بشر، لا عن مجيء ذكر مخصوص بعد طول انتظار.
فلفظ ولد هنا أوسع وأعم، وهو أنسب بمقام السؤال عن نفس التولد والخلق من غير سبب بشري.
ومن جهة الإشارة الباطنية يمكن أن يقال إن لفظ الغلام في قصة زكريا يشير إلى ثمرة مخصوصة من ثمرات العناية، وإلى سر من أسرار الإجابة بعد الافتقار والانكسار وطول المناجاة، فكأن زكريا يشهد تجلي اللطف الإلهي في صورة وارث مخصوص يحمل النور والنبوة والخدمة، أما لفظ الولد في خطاب مريم فيشير إلى سر القدرة الإلهية حين تتجلى خارج نواميس الأسباب، فمريم لا تسأل عن صورة الموهوب بقدر ما تشهد دهشة القلب أمام فعل الله إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون.
ولهذا صح أن يقال إن زكريا عليه السلام كان في مقام التعجب من حصول الموهوب المعيّن
أما مريم عليها السلام فكانت في مقام التعجب من حصول أصل الهبة نفسها. فالأول مقام خصوص بعد بشارة مخصوصة، والثاني مقام عموم في مشاهدة القدرة.
ولهذا جاء الغلام هناك لأنه أقرب إلى التعيين والتشخيص والبشارة الخاصة، وجاء الولد هنا لأنه أقرب إلى أصل التكوين والوجود. فالغلام في لسان زكريا يحمل معنى الثمرة التي تجلّت بعد سؤال، والولد في لسان مريم يحمل معنى السر الذي خرج من بحر القدرة بلا واسطة مألوفة، وهذا من دقائق النظم القرآني التي لا يبدل فيها لفظ مكان لفظ إلا لسر، لأن كل كلمة في كتاب الله منزلة بميزان الحكمة، على حسب حال القائل، والمقام الذي ورد فيه الخطاب، والسر الذي يريد الحق سبحانه أن يكشفه لأهل الفهم والذوق.
﴿ وماتوفيقي إلا بالله ﴾
#الطريقةالمحمديةالعليةالهاشميةالشريفة
⚜إشراقات لدنية
قناة عِلْمُ تَأْوِيلِ بَاطِنِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ*
https://t.me/+ziHSQdEwQjkxMzRk
