آخر المشاركات

التفسير العرفاني لأول  آية من سورة البقرة⚜ { الم }


 

التفسير العرفاني لأول

 آية من سورة البقرة⚜

{ الم }


هذه الآية – وهي قوله تعالى: { الم } – من أسرار القرآن العظيمة، ومن المواضع التي وقف عندها أهل الظاهر كثيرًا، ثم دخل منها أهل الذوق والعارفون بالله إلى بحار من الإشارات والأنوار، لأنها ليست مجرد حروف تُقرأ، بل بابٌ من أبواب الخطاب الإلهي، ورمزٌ من رموز الحضرة، وإشارةٌ إلى أن هذا الكتاب ليس كلامًا عاديًا يُنال بمجرد العقل، بل وراءه سرٌّ لا يفتحه إلا الله لمن شاء من عباده.


فأهل التفسير الظاهر يقولون: هذه من الحروف المقطعة التي افتُتحت بها بعض السور، والله أعلم بمراده بها. وهذا حق، بل هو أصل الأدب مع كلام الله؛ لأن العبد مهما ارتقى في الفهم، يبقى أمام كلام الله فقيرًا عاجزًا، لا يدّعي الإحاطة بسرٍّ من أسراره. 

لكن أهل الله يقولون: مع التسليم بأن العلم الكامل بمراد الله فيها عند الله، فإن الله يفتح على قلوب عباده بإشارات من نورها، لا على وجه القطع والتحديد، بل على وجه التذوق والاعتبار.

فـ {الم} عند أهل الإشارة هي نداء سرّي بين الحق وخواص عباده، كأن الله يقول:


 يا من تطلبني، إن الطريق إليّ لا يُفتح لك من باب العبارات وحدها، بل من باب الأسرار. كأن هذه الحروف إعلانٌ من أول السورة أن القرآن له قشر ولبّ، لفظ وسر، رسم وحقيقة. فمن وقف عند مجرد الأصوات فاته شيء، ومن دخل إلى ما وراءها انفتح له باب.


وقد قال بعض العارفين: إن هذه الحروف إشارة إلى أن الطريق إلى الله يبدأ من التجرّد عن الدعوى؛ لأن العبد إذا سمع {الم} لا يفهم منها مباشرة معنىً واضحًا بعقله المعتاد، فينكسر عقله، وتسقط دعوى إحاطته، ويقف على باب الأدب قائلًا: “الله أعلم بمراده”. وهنا تبدأ أولى خطوات السلوك: أن تعلم أنك لا تعلم، وأن تدخل على القرآن بقلب متأدب، لا بعقل متكبر يريد أن يحيط بكل شيء. فكأن أول ما يعلّمك القرآن في هذه السورة: إن أردت الهداية، فاخلع نعليك: نعلي الكبر العلمي، ودعوى الفهم، والاعتماد على النفس.


ومن جهة أخرى، رأى بعض أهل العرفان أن هذه الحروف تحمل إشارات إلى أسماء الله وصفاته. فقيل في الألف: إنها إشارة إلى الأحدية، إلى الواحد الذي قامت به الأكوان كلها، وإليه ترجع، ومنه تبدأ. فالألف حرف مستقيم قائم لا اعوجاج فيه، كأنه يشير إلى استقامة التوحيد، وإلى أن أول الطريق وآخره هو الله الواحد. وقيل: الألف لأنها أول الحروف، فهي إشارة إلى أن الله هو الأول قبل كل شيء، وأن من لم يبدأ بالله لم يصل إلى الله.


وأما اللام، فقد أشار بعضهم إلى أنها رمز للتلطف الإلهي، أو للطف الوصلة، أو لانحناء القلب في مقام العبودية. فبعد أن تشهد الأحدية في الألف، لا بد أن تنحني خضوعًا ومحبّة وافتقارًا، فتصير عبدًا ذليلًا بين يدي ربك. فاللام كأنها تقول للسالك: لا يكفي أن تعرف أن الله واحد، بل لا بد أن تنكسر له، وأن تنحني بجملتك لعزّه، وأن تتخلى عن استعلاء النفس.


وأما الميم، فهي عند بعض أهل الإشارة رمز للملك والملكوت، أو لمحمد ﷺ، أو لتمام الظهور في عالم الخلق. فكأن السورة بدأت برحلة كاملة: من الألف إلى اللام إلى الميم؛ من شهود الأحدية، إلى خضوع العبودية، إلى الظهور بأنوار الهداية في عالم الإنسان والسلوك. ومنهم من قال: الألف إشارة إلى الله، واللام إلى جبريل، والميم إلى محمد ﷺ، وكأن المعنى: هذا القرآن سرٌّ نازل من الله بواسطة أمين الوحي إلى قلب سيدنا محمد ﷺ. وهذا من ألطف الإشارات، لأن السورة بعدها مباشرة تقول: 


{ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين}


 فكأن هذه الحروف قبل إعلان الهداية تذكّر السالك بمصدر هذا النور: من الله، بواسطة الوحي، إلى قلب النبي ﷺ، ثم إلى قلوب المؤمنين.


وقال بعض أهل الذوق: {الم} إشارة إلى مقامات السير الثلاثة:


الألف: مقام الابتداء بالله.


اللام: مقام الوقوف بين يدي الله بالعبودية والانكسار.


الميم: مقام الرجوع إلى الخلق بالله بعد التحقق، أي أن السالك إذا امتلأ قلبه بالله عاد إلى الناس رحمةً ونورًا وتعليمًا وإصلاحًا.



وهذا المعنى قريب من حال الأنبياء والأولياء: يبدؤون بالله، ثم يفنون في العبودية، ثم يعودون إلى الخلق وهم يحملون الرحمة والهداية.


ومن الإشارات الجميلة أيضًا أن الحروف المقطعة عمومًا تدل على أن هذا القرآن – مع علوّ شأنه وإعجازه – مكوّن من نفس الحروف التي يعرفها العرب ويتكلمون بها، لكن لما دخلها السر الإلهي صارت قرآنًا يعجز الخلق عن الإتيان بمثله. وهذا فيه معنى عرفاني دقيق جدًا: أن المادة نفسها قد تكون موجودة عند الجميع، لكن السر ليس عند الجميع. الحروف هي الحروف، والألفاظ هي الألفاظ، ولكن لما تجلّى فيها نور الله صارت وحيًا. وكذلك الإنسان: الجسد هو الجسد، والصورة هي الصورة، لكن إذا دخل نور المعرفة وصدق التوجه صار هذا الإنسان عبدًا ربانيًا، وصار كلامه مختلفًا، ونظره مختلفًا، وسيره مختلفًا. فكأن {الم} تهمس للسالك: كما جعل الله من هذه الحروف العادية قرآنًا معجزًا، يستطيع أن يجعل من قلبك – إذا طهّرته – موضعًا للتجلي والمعرفة.


ولهذا فإن أول ما يستقبلك في سورة البقرة ليس حكمًا فقهيًا ولا قصةً ولا موعظة مباشرة، بل سرٌّ. وكأن الله يريد أن يقول لك: يا عبد، قبل أن تدخل في تفاصيل التكاليف، أصلح وعاء التلقي. قبل أن تسمع الأوامر والنواهي، تعلّم كيف تقف على بابي. قبل أن تطلب المعنى، تعلّم الأدب مع المتكلم. فإن القرآن لا يفتح كنوزه لكل عين، وإنما يفتحها لمن دخل عليه بقلب خاشع، ونفس متطهرة، وافتقار صادق.


ومن هنا يمكن أن نفهم اتصال {الم} بما بعدها: {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين}. فكأن الحروف المقطعة أولًا هزّت القلب، وأسقطت عنه دعوى الفهم، وأدخلته مقام التسليم، ثم جاء البيان: إذا دخلت بهذا الأدب، فهذا هو الكتاب الذي لا ريب فيه، ولكن هدايته ليست لكل أحد على السواء، بل للمتقين؛ أي لمن في قلبه استعداد، وخشية، وتوقير، وصدق طلب. فالتقوى هنا ليست فقط ترك المعصية، بل أيضًا طهارة باطن التلقي، حتى يصبح القلب أهلًا لأن يفهم عن الله.

فخلاصة الإشارة العرفانية في {الم} أن الله يفتتح السورة بباب السر ليعلّمك أن القرآن لا يُؤخذ بالسطح وحده، وأن أول الطريق إلى الهداية هو الأدب، والتسليم، والانكسار، وترك دعوى الإحاطة، وأن السالك لا بد أن يبدأ بتوحيد الله، ثم يحقق عبوديته، ثم يتلقى أنوار الوحي بقلبٍ متقٍ حتى يتحول من مجرد قارئ للقرآن إلى متلقٍّ عن الله.


فإذا أردت أن تقف مع {الم} وقفة سلوكية عملية، فقل في قلبك:


> يا رب، أنا لا أدخل على كتابك بعقلي وحده، ولا بفهمي وحده، ولا بدعواي، بل أدخل عليه فقيرًا، منكسرًا، طالبًا لفتحك. علّمني من أسرار كلامك ما يحيي قلبي، ونجّني من الوقوف مع الحروف دون الوصول إلى المنعم بها.




﴿ وماتوفيقي إلا بالله ﴾

#الطريقةالمحمديةالعليةالهاشميةالشريفة


⚜إشراقات لدنية

قناة عِلْمُ تَأْوِيلِ بَاطِنِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ* 


https://t.me/+ziHSQdEwQjkxMzRk


إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال