*مخالفة الرماة لأمر النبي ﷺ*
*ثمن الغفلة: لحظة واحدة قد تؤخر فتحًا كان قريبًا*
> سورة ال عمران الآيات من (٥٣حتى ٥٥)
> *﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾*
في غزوة أحد تتجلّى حادثة مخالفة الرماة لأمر النبي ﷺ كواحدة من أعظم الإشارات التربوية في طريق السلوك إلى الله، لأنها تكشف للسالك حقيقة دقيقة وخفية، وهي أن العبد قد يقترب من الفتح حتى يكاد يلمسه، ثم تحجبه لحظة غفلة واحدة، لا لأن الله أراد هلاكه، بل لأنه أراد أن يطهّره من رؤية نفسه، ويعلّمه أن الوصول إلى الله لا يكون بالقوة ولا بالكثرة ولا بالمشاهدات، وإنما بكمال الأدب والثبات على الأمر.
فقد كان النصر قد بدأ يتنزل، وكانت راية المشركين تتهاوى، والفتح ظاهرًا للمؤمنين، حتى ظن بعض الرماة أن المعركة انتهت، وأن الأمر قد قُضي، فتركوا مواقعهم التي أمرهم بها النبي ﷺ، لا لأنهم أرادوا الكفر أو الخيانة، بل لأن لحظة التفات إلى الغنيمة دخلت إلى القلب.
وهنا يظهر سر الطريق كله، فإن أكثر الحجب لا تأتي من المعاصي الظاهرة فقط، بل تأتي من الالتفات الخفي، ومن استعجال الثمرة قبل تمام الإذن، ومن ظن النفس أنها أصبحت في أمان.
والسالك في بدايات الفتح قد يجد نورًا في عبادته، وحضورًا في ذكره، وانشراحًا في قلبه، فيظن أن الطريق قد استقر له، وأنه بلغ مقامًا لا يخاف بعده السقوط، وهنا تبدأ الفتنة الدقيقة، لأن النفس إذا رأت الفتح نسبت شيئًا منه إلى نفسها، ولو خفيًا، فيأتي الامتحان ليكسر هذا الشعور، ولذلك كانت مخالفة الرماة ظاهرها ترك موقع، لكن باطنها انتقال القلب من مقام التسليم الكامل إلى رؤية حظ النفس، ولهذا لم تقع الهزيمة إلا بعد أن دخل التنازع والاختلاف وطلب العاجل،
كما قال تعالى:
> ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ﴾،
فكانت الفتنة بعد أن أراهم الله الفتح، لأن الابتلاء الحقيقي لا يكون دائمًا قبل العطاء، بل قد يكون بعده، حتى يُعلم هل العبد يريد الله أم يريد ما عند الله.
وفي هذا سر عظيم من أسرار السير، فإن بعض السالكين يثبتون في مقام المجاهدة أكثر مما يثبتون في مقام الفتح، لأن الفتح قد يولد في النفس إحساسًا خفيًا بالاستحقاق، بينما الانكسار يعيدها إلى باب الافتقار، ولهذا كانت الهزيمة في أحد تربية قبل أن تكون عقوبة، ورحمة قبل أن تكون ألمًا، لأن الله أراد أن يعلّم المؤمنين أن النصر ليس بكثرتهم، ولا بحسن مواقعهم، بل بطاعتهم الكاملة وتسليمهم التام، وأن لحظة خروج عن الأمر قد تؤخر فتحًا كان قريبًا جدًا.
وهكذا السالك، قد يُفتح له باب من القرب، ثم يُحجب بسبب غفلة صغيرة، أو إعجاب خفي، أو التفات إلى الخلق، أو استعجال لكرامة، أو ترك لأدب بسيط ظنه هينًا، فيتعجب لماذا تبدل حاله، بينما الحقيقة أن الله يريد إعادته إلى أصل العبودية، لأن القرب الحقيقي لا يُبنى على الأحوال، بل على الثبات مع الله في كل حال، ولهذا كان من أعظم أسرار أحد أن الله لم يطردهم بعد المخالفة، بل ربّاهم بها،
فقال:
> ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾،
فجمع بين الابتلاء والعفو، ليعلم السالك أن الانكسار إذا أورث صدقًا، صار بابًا للرحمة، وأن السقوط إذا ولّد افتقارًا، صار بداية ترقٍّ جديد.
ومن هنا يفهم أهل البصيرة أن الطريق إلى الله ليس صعودًا متواصلًا بلا تعثر، بل هو تربية دقيقة للنفس، تُؤخذ فيها من نور الفتح إلى كسر العجز، ثم تُعاد إلى الله أنقى وأصدق، ولذلك كان ثمن الغفلة في أحد كبيرًا، لأن الله أراد أن يعلّم الأمة كلها أن لحظة واحدة من مخالفة الأمر قد تغيّر مجرى الطريق، وأن الأدب مع التوجيه الإلهي والنور النبوي أعظم من كل الحسابات العقلية، فالرماة رأوا المصلحة بعقولهم، لكنهم تركوا الأمر النبوي، فضاع منهم ما كان بين أيديهم.
وهذا هو حال كثير من السالكين، يتركون "مواقعهم القلبية" التي أقامهم الله فيها، يتركون الذكر الذي فُتح لهم به، أو المجاهدة التي كانت سبب نورهم، أو التواضع الذي كان يحفظهم، لأن النفس أوهمتهم أنهم أصبحوا فوق الخطر، فإذا بهم يعودون إلى الحجاب بعد القرب، ليعلموا أن النجاة ليست في الشعور بالقوة، بل في دوام الالتجاء إلى الله.
فحادثة الرماة ليست قصة حرب فقط، بل مرآة لطريق الإنسان كله، تخبره أن الفتح قد يكون قريبًا جدًا، لكن الغفلة قد تؤخره، وأن الله إذا أحب عبدًا لم يتركه لنفسه، بل يذيقه مرارة الانكسار حتى يعود صادقًا، منكسرًا، معتمدًا عليه وحده، لا على حاله ولا على عمله، وحينها فقط يصبح أهلًا لفتح لا تحجبه النفس مرة أخرى.
*﴿ إشراقات لدنيّة لتأويل علم باطن القرآن الكريم ﴾ :*
> https://t.me/+ziHSQdEwQjkxMzRk
@الكل
﴿ وماتوفيقي إلا بالله ﴾
#الطريقةالمحمديةالعليةالهاشميةالشريفة
