ولادة عيسى عليه السلام وكلامه في المهد
نطق الحق من الصمت
الآيات من( ٤٥ - ٥٠) آل عمران
تبدأ القصة عندما بشر الله مريم بعيسى عليه السلام، فقالت الملائكة:
﴿ إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴾
وفي هذه البشرى دعوة للسالك أن يدرك أن النور يولد في القلب قبل أن يظهر في الشكل، وأن كلمة الله قادرة على الخلق قبل أن تتحقق الأمور على الأرض، فالقلب الذي يفتح على النور يسبقه الحق قبل التجلي الخارجي.
وعندما وُلد عيسى، تكلم في المهد قبل أن يكمل شبابه
قال الله تعالى:
﴿ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾
وهذا درس عميق لكل سالك أن النطق بالحق لا يحتاج إلى اكتمال الشكل أو القوة الظاهرة، بل يحتاج إلى إذن الله في القلب واستجابة للنور الذي ينبض داخله، فالصمت قبل النطق ليس عجزاً بل استعداداً للحق في داخلك.
وعندما تساءلت مريم:
﴿ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾
نرى أن الإيمان بما هو مستحيل ظاهرياً هو جوهر السلوك، فكما يخلق الله النور والكلمة في القلب قبل أن يظهران، كذلك على السالك أن يثق بما يولد فيه من أسرار وعطاياه قبل أن يراه في الخارج.
وعلم الله عيسى الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل قبل أن ينضج جسدياً، فقال تعالى:
﴿ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴾
فالسالك يعلم أن الحكمة لا تأتي من الدراسة وحدها، بل من النور الذي ينزل في قلبه، ومن يفتح قلبه على الله يصبح قبل أن يتكلم أو يعمل، حاملًا للحكمة والحق في جوهره. ثم أوتي معجزات بقدرة الله.
كما قال:
﴿ وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾
والسالك يتعلم أن كل قدرة على تغيير القلوب أو إحياء الأرواح هي إذن من الله للنور في داخله، فلا يعتمد على قوته وحده بل على كلمته الروحانية.
وعُرف عيسى ما يأكل الناس وما يدخرون في بيوتهم، قال الله:
﴿ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
والسالك الذي ينفتح قلبه على الحق يلمس الخفايا ويرى سرّ الحياة في الناس، فيتعلم أن المعرفة الحقيقية روحانية وليست فقط حسية.
وأخيرًا قال الله:
﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾
فكل نور يولد في القلب وكل كلمة حق وكل فعل صالح للسالك ليس منه وحده، بل هو انعكاس للكلمة الإلهية والروح الإلهية التي تنفخ فيه، ويعلم السالك أن ما يولد في قلبه من نور هو رسالة من الله، وأن الصبر والإيمان والسكوت قبل الكلام والعمل كلها مراحل لتجسيد الكلمة الإلهية في حياته. وهكذا، يكون السالك قد تعلم من قصة عيسى عليه السلام أن النور يولد قبل الشكل، والكلمة الحق تُنطق قبل القدرة الظاهرة، وأن كل مرحلة من مراحل القلب المضيء تحتاج إلى الثقة بالإذن الإلهي، لتتحقق المعجزات الداخلية قبل أن يراها
﴿ وماتوفيقي إلا بالله ﴾ #الطريقةالمحمديةالعليةالهاشميةالشريفة
⚜إشراقات لدنية
قناة عِلْمُ تَأْوِيلِ بَاطِنِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ*
https://t.me/+ziHSQdEwQjkxMzRk
