بشارة مريم بـ عيسى عليه السلام
ال عمران- الآيات (42–47)
خرق الأسباب:
عندما تتجلى القدرة الإلهية فوق قوانين الكون
في سورة آل عمران، تتجلى قصة بشارة مريم بنت عمران بـ عيسى عليه السلام كأنها ليست مجرد خبر عن ولادة نبي، بل كشف رباني عن قانون خفي في السير إلى الله
قانون يقول: إن الله إذا أراد تجلّى، وإذا تجلّى سقطت الأسباب، وانكسرت الموازين، وصار المستحيل أمرًا مشهودًا
فقد قال تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾
إلى قوله: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾
هذه الآيات ليست تسلسلًا للأحداث فقط، بل مراتب طريق، ومنازل قلب، وترقٍّ من الاصطفاء إلى الفتح.
فأول ما يطرق سمع السالك في هذه القصة هو قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾
وهنا سر البداية، فإن الاصطفاء لا يكون جزافًا، بل هو ثمرة نظر إلهي إلى قلب قد تهيأ لحمل الأمانة
فقلب مريم بنت عمران لم يُعطَ النور أولًا، بل أُعدّ له، وطُهّر من كل شائبة، من الالتفات إلى غير الله، ومن الركون إلى الأسباب، حتى صار محلًا صالحًا لتجلي القدرة، وفي هذا إشارة دقيقة للسالك أن الفتح ليس عطية تُلقى في قلب مزدحم، بل هو نور لا ينزل إلا في محل مُفرَّغ مما سواه.
ثم يأتي النداء الثاني:
﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي﴾
وكأن الحق جلّ جلاله يربط بين الاصطفاء والعبودية، فليس الاصطفاء إذن تشريفًا يورث العجب، بل تكليف يورث الذل والانكسار، فكلما ارتفعت رتبة العبد عند الله، ازداد خضوعه، لأن من عرف الحق استحيا أن يراه قائمًا بنفسه، بل يراه قائمًا بربه، ومن هنا كان القنوت هو دوام الحضور، والسجود هو كمال الفناء، فكأن الآية تقول:
إن أردت أن تحمل سرّ "كن"، فكن عبدًا محضًا.
ثم تنكشف بشارة الغيب:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ﴾
وهنا يخرج الأمر من دائرة المألوف إلى دائرة العجب، فـ عيسى عليه السلام سُمّي "كلمة"، لأنه ليس وليد سبب، بل وليد أمر إلهي مباشر، "كن"
وفي الإشارة الباطنية:
ليس المقصود فقط وجود عيسى في الخارج، بل وجود "المعنى الحي" في الداخل، فإن الله إذا أراد بعبد خيرًا، ألقى في قلبه كلمة من نوره، تحييه بعد موته، وتوقظه بعد غفلته، فيولد فيه حال جديد، لم يكن له سبب من جهده، ولا من سعيه، بل هو محض عطاء.
وهنا تقف النفس موقفها الطبيعي، فيأتي السؤال:
﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾
وهذا ليس اعتراضًا، بل تعجب من خروج الأمر عن قانون العادة، وفي هذا مقام دقيق، فإن السالك إذا رأى تجليات لا يفهمها، فإن تمسك بعقله حُجب، وإن سلّم فُتح له، فمريم لم تردّ الأمر، بل سألت عن وجهه، فجاءها الجواب الذي يقطع كل تعلّق بالأسباب:
﴿كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾
أي أن الحقيقة ليست فيما تعهده، بل فيما يريده، وأن الله لا تحكمه الوسائط، بل الوسائط خاضعة لأمره، فإن شاء أجرى الأمور على السنن، وإن شاء خرقها، ليُظهر أنه الفاعل وحده.
ثم يُختم المشهد بسرّ الأسرار:
﴿إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾
وهنا تنتهي رحلة العقل، ويبدأ شهود القلب، لأن "كن" ليست حرفًا، بل هي تجلٍّ، وإذا تجلّى الحق بشيء، وُجد بلا تأخر، ولا احتياج إلى زمن، ولا مرور عبر الأسباب، وفي هذا تعليم للسالك أن لا ييأس إذا انسدت الطرق، ولا يظن أن الفتح مرهون بما يرى، فكم من باب أُغلق ليُفتح ما هو أعظم، وكم من سبب انقطع ليظهر "مسبب الأسباب".
وهكذا إذا نظرت إلى القصة من أولها إلى آخرها، وجدتها ليست قصة ميلاد، بل قصة "تكوين": تكوين قلب، ثم تطهيره، ثم إدخاله في العبودية، ثم تعريضه للتجلّي، ثم إدخاله في الحيرة، ثم رفعه بالتسليم، ثم إفاضته عليه بنور
"كن فيكون"، فهي طريق كامل مختصر في آيات، ومن فهمها بهذا المعنى، علم أن عيسى عليه السلام لم يكن فقط آية في الخارج، بل هو رمز لولادة الحياة في قلب كل من صدق مع الله، فإذا طهّر السالك باطنه، وقنت لربه، وترك الاعتماد على الأسباب، جاءه من الفيض ما لا يخطر له على بال، فيولد في قلبه من المعاني ما يحييه، ويصير بعد مواته حيًا بنور الله، وذلك هو سر القصة، وسر الطريق كله.
﴿وماتوفيقي إلا بالله﴾
#الطريقةالمحمديةالعليةالهاشميةالشريفة
⚜إشراقات لدنية
قناة عِلْمُ تَأْوِيلِ بَاطِنِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ*
https://t.me/+ziHSQdEwQjkxMzRk
