التأويل العرفاني لقصة مريم بنت عمران وكفالة نبي الله زكريا لها عليهما السلام



 التأويل العرفاني لقصة مريم بنت عمران وكفالة نبي الله زكريا لها عليهما السلام

سورة ال عمران - من الآيات 35 إلى 37 


هنا يكشف للسالك سرًّا عظيمًا من أسرار التربية الإلهية، لأن الله سبحانه لم يذكر هذه القصة لمجرد بيان حدث تاريخي، بل ليعلّم أهل القلوب كيف يبدأ الاصطفاء في الباطن.


فقوله تعالى: 


﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾


 


يشير عند أهل الإشارة إلى أن أول الطريق أن يقدّم العبد قلبه لله محررًا من التعلقات، لأن كل قلب بقي فيه شيء لغير الله لا يصلح أن يكون موضعًا للتجلّي، فالنذر هنا ليس مجرد نذر مولود، بل هو رمز لتحرير الباطن من رقّ النفس والهوى


 وكأن السالك يعلن في بداية سيره أن هذا القلب لم يعد ملكًا للشهوة ولا للدنيا، بل صار متوجّهًا إلى حضرة الحق.


 ثم قال سبحانه: 


﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾


 وفي هذا سرّ دقيق، وهو أن القبول الإلهي يسبق تمام العمل، فكم من عبد لم يكتمل سعيه لكن صدقه فتح له باب القبول، لأن الله ينظر إلى حقيقة التوجّه قبل كثرة الظاهر، فإذا رأى في القلب صدقًا ابتدأه بالعناية قبل أن يبلغه مقام الكمال. 


ثم قال: 


﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾


 


والنبات في طريق السلوك هو نمو الأحوال في القلب شيئًا فشيئًا، لأن القلب لا يشرق دفعة واحدة، بل يبدأ فيه نور خفيف، ثم يزداد بالمراقبة، ثم يثمر خشوعًا، ثم حياءً، ثم أنسًا بالله، ثم طمأنينة لا يعرفها إلا من ذاقها، كما ينمو الغرس في الأرض بهدوء حتى يصير شجرة ثابتة الأصل.


 ثم قال تعالى: 


﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾


 وهذه من أعظم إشارات التربية، لأن القلب إذا اختاره الله لا يتركه لنفسه، بل يهيئ له من يحفظه، فقد تكون الكفالة شيخًا ربانيًا، وقد تكون حالًا من أحوال اليقظة، وقد تكون وردًا ثابتًا يحرس القلب من التشتت، لأن بدايات السالك ضعيفة، ولو تُرك القلب في أول الطريق لآفات النفس ربما أفسدته الأوهام أو العجلة أو حب الظهور، فجعل الله زكريا رمزًا للعناية التي ترعى القلب حتى يشتدّ عوده. 


ثم قال سبحانه:


 ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا﴾


والمحراب في الباطن هو موضع الخلوة الداخلية، أي الموضع الذي ينقطع فيه القلب عن الخلق ويتوجه بكليته إلى الله، فإذا دخل العبد محراب الصدق وهدأت حركات النفس، بدأ رزق المعاني ينزل على قلبه، وقد يكون هذا الرزق فهمًا يفتح فجأة، أو سكينة غير معتادة، أو نورًا في الذكر، أو حضورًا في الصلاة، ولذلك تعجّب زكريا


 فقال: 


﴿أَنَّى لَكِ هَٰذَا﴾


 لأن بعض الفيوضات تأتي بلا سبب ظاهر، فيعجز العقل عن تفسيرها، فجاء جواب مريم:


 


﴿هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾


 


وهذه قاعدة الطريق كلها، أن الفتح الحقيقي ليس ثمرة جهد العبد وحده، بل هو هبة من الله تأتي بعد الصدق، فالسالك يعمل ويجاهد، لكن الأنوار لا تُنتزع انتزاعًا، وإنما تُعطى عند صفاء المحل. 


ولهذا كانت مريم مثال القلب الذي طهر حتى صار محل العطاء، لأن القلب إذا خلص من الضجيج الداخلي وصبر على المجاهدة صار يأتيه رزقه من الحضرة قبل أن يطلبه، ومن هنا يعلم السالك أن المقصود ليس كثرة الأعمال وحدها، بل أن يبلغ القلب حالة "مريم"؛ طهارةً، وسكونًا، وحفظًا، وانقطاعًا، حتى إذا استقرت فيه العناية، جاءه رزق الله من حيث لا يشعر، وبدأت في داخله ولادة المعاني التي لا يملكها إلا من أخلص قلبه لله وحده.


﴿ وماتوفيقي إلا بالله ﴾


#الطريقةالمحمديةالعليةالهاشميةالشريفة

⚜إشراقات لدنية

قناة عِلْمُ تَأْوِيلِ بَاطِنِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ* 


https://t.me/+ziHSQdEwQjkxMzRk

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال