قصة قتل نفس في بني إسرائيل وأمرهم بذبح بقرة


 

قصة قتل نفس في بني إسرائيل وأمرهم بذبح بقرة

( الآيات 67–74 )


قصة البقرة في ظاهرها قتلٌ غامض، وفي باطنها قلبٌ مات فيه الشعور. 


فالنفس المقتولة ليست جسدًا فقط، بل حقيقة فُقدت في الإنسان، وموضع الحياة الروحية الذي خنقته الصفات، حتى صار القلب لا يعرف من قتله ولا كيف قُتل. 

والسالك كثيرًا ما يحمل هذا القتل في داخله، يشعر باليأس والبعد، ولا يدري أي صفة هي القاتلة.


فلما احتكموا إلى موسى، كان ذلك رمز رجوع القلب إلى الوحي أو إلى الشيخ أو إلى الأمر الإلهي، لأن القتل لا يُكشف بالعقل، بل بالنور. 

فجاءهم الأمر:

إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة.

 ولم يكن المقصود بقرة في المرعى، بل النفس الأمّارة بالسكون والرضا بالدنيا، النفس السمينة التي ألفت العيش بلا مجاهدة.

لكن النفس لا تُسلَّم للذبح بسهولة، فتبدأ مرحلة الجدل. 


سألوا عن حقيقتها، وعن سنها، وعن لونها، وعن عملها، لأن السالك حين يُؤمر بالمجاهدة، لا يقول سمعنا وأطعنا، بل يقول: كيف؟ ولماذا؟ ومتى؟ وبأي قدر؟ وهذه الأسئلة ليست طلب فهم، بل هرب من الذبح.


وكلما أكثروا السؤال، شدد الله عليهم، لأن من طلب التخفيف بالعقل ضُيِّق عليه بالحكم.

ولو ذبحوها أول الأمر لانتهى، لكن التردد جعل الأمر أعسر. 

وهكذا السالك، كلما فاوض نفسه في أمر الترك، طال عليه الطريق، وكلما أخر الذبح، ازدادت صفات النفس سُمكًا.


وصف البقرة في العرفان عجيب: لا هي فارضة ولا بكر، أي نفس ليست ميتة ولا طاهرة، بل قائمة بين بين، صالحة للذبح.

صفراء فاقع لونها، أي متلذذة بزينة الدنيا.

 لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث، أي نفس لا تعمل للآخرة ولا تخدم الحق، بل تخدم نفسها فقط.

مسلمة لا شية فيها، أي كاملة الصفات النفسانية، صالحة لأن تكون أضحية.


فلما ذُبحت، قيل لهم: اضربوه ببعضها. أي لا تحيا القلوب إلا بشيء من ذبح النفس. 

فلا قيام للميت الروحي إلا إذا مُسَّ بسكين المجاهدة. 

والضربة ليست قتلًا، بل إحياء، لأن الحياة لا تعود إلا بعد الفناء.

فأُحيي القتيل، أي عاد الإحساس، وعاد النور، وعاد التمييز بين الحق والباطل، وعُرف القاتل، أي عُرفت الصفة التي كانت تحجب القلب عن الله. 

لكن المفاجأة الكبرى جاءت بعدها:

 ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة.


وهنا الإشارة الخطيرة: أن رؤية الخوارق لا تكفي، وأن الفتح لا يدوم بلا صدق، وأن من ذاق الإحياء ثم عاد إلى نفسه، كانت قسوته أشد، لأن القلب إذا أُحيي ثم أُهمل، صار أصلب من قبل.


ولهذا ختمت القصة بذكر الحجارة التي تتفجر منها الأنهار، وتخشع من خشية الله، إشارة إلى أن الحجر إذا خضع لانفجر نورًا، بينما القلب إذا تكبّر قسا، ولو رأى الآيات كلها.


وعلاقة القصة بالسالك واضحة لا لبس فيها: أن الطريق كله ذبح،

وأن السؤال الزائد حجاب،

وأن المجاهدة حياة لا موت،

وأن من لم يذبح نفسه بصدق، مات قلبه ولو عاش جسده.


فسورة البقرة سُمّيت بهذا الاسم لتقول للسالك من أول الطريق:

 لن تصل حتى تذبح بقرتك.

ولن تحيا حتى تمسّك سكين الأمر بلا جدال.

ولن ترى القاتل حتى تفنى عن نفسك.

ومن لم يذبح، جادل.

ومن جادل، قسا.

ومن قسا، حُجب.



{وماتوفيقي إلا بالله}

#الطريقةالمحمديةالعليةالهاشميةالشريفة


⚜إشراقات لدنية

قناة عِلْمُ تَأْوِيلِ بَاطِنِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ* 


https://t.me/+ziHSQdEwQjkxMzRk

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال