«قابيل وهابيل في ميزان السلوك العرفاني
قراءة في صراع النفس والقلب وحقيقة القرب من الله
قال الله تعالى:
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾
ليست قصة قابيل وهابيل مجرد حادثة قتل وقعت بين أخوين، بل تحمل في طياتها درسا عظيما في تزكية النفس ومعرفة حجبها وآفاتها. فمن تأملها بعين السلوك رأى فيها صراعا بين قلب يتوجه إلى الله بإخلاص، ونفس تستولي عليها الأنا وحب التقدم والحسد.
قال الله تعالى:
﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾
وهنا تظهر حقيقة القربان، فليس العبرة بكثرة العمل وصورته، وإنما بما يحمله القلب من تقوى وإخلاص وصدق. ولذلك قال هابيل:
﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾
وكأنه يرد السالك إلى أصل الطريق، وهو أن القرب من الله لا يكون بدعوى المقامات ولا بكثرة الأعمال، وإنما بصدق العبودية.
أولا: حين يتحول طلب القرب إلى منافسة
ثم تكشف الآيات أخطر آفات النفس حين قال قابيل:
﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾
فقد ضاق صدره بقبول الله قربان أخيه، فلم يستطع أن يرى فضل الله على غيره دون أن تتحرك فيه نار الحسد. وهنا تظهر آفة تصيب بعض السالكين حين يتحول طلب القرب إلى منافسة، وتصبح أحوال الآخرين وفتوحاتهم سببا لضيق النفس بدلا من أن تكون باعثا على الدعاء لهم والاقتداء بخيرهم.
ثانيا: مقام الخوف وكف النفس عن الظلم
ثم يأتي مقام المجاهدة في قول هابيل:
﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾
فهو لم يسمح لإساءة أخيه أن تسلبه تقواه، ولم يجعل الاعتداء مبررا للعدوان. وهذه حقيقة السلوك؛ أن ينتصر الإنسان على نفسه حين تستفزه النفوس، وأن يحفظ حدود الله حتى في لحظات الغضب والخصومة.
ثالثا: أخطر الحجب تطويع النفس للهوى
ثم تأتي الآية العظيمة:
﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾
لتكشف كيف تزين النفس للإنسان باطله حتى يراه حقا، وكيف يبدأ السقوط بخاطر حسد، ثم يتحول إلى سوء ظن، ثم انتقاص، ثم ظلم واعتداء. ولذلك فإن أخطر عدو للسالك ليس من ينافسه في الطريق، بل نفسه حين تلبس الهوى ثوب الحق.
رابعا: حين تنطفئ البصيرة يتعلم الإنسان من مخلوقات الله
وحين بعث الله الغراب ليعلم قابيل كيف يواري سوءة أخيه، ظهر له عجزه بعد أن ظن أنه قادر على كل شيء، فقال:
﴿يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾
وفي ذلك إشارة إلى أن من أعرض عن نور الهداية قد يبلغ به الغرور أن يفقد أبسط معاني البصيرة، حتى يتعلم من مخلوق ما كان ينبغي أن يدركه بعقله وفطرته.
خامسا: الندم انكشاف بعد سكرة النفس
وختمت القصة بقوله تعالى:
﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾
فالندم انكشاف لحقيقة الفعل بعد زوال سكرة النفس، لكنه يحتاج إلى توبة صادقة وإصلاح، فلا يكفي أن يحزن الإنسان على ما فعل، بل عليه أن يرجع إلى الله ويجاهد نفسه حتى لا يعود إلى أسباب السقوط.
إن قابيل وهابيل صورتان تتجاذبان باطن الإنسان؛ فهابيل يمثل القلب الذي يرد الفضل إلى الله ويخشاه ويكف نفسه عن الظلم، وقابيل يمثل النفس حين تستولي عليها الأنا والحسد وحب المنزلة.
فالسالك الصادق لا ينشغل بمن سبقه ولا بمن فُتح عليه، وإنما ينشغل بتطهير قربانه من العجب، وقلبه من الحسد، ونفسه من الكبر، حتى لا يكون أكبر حجاب بينه وبين الله هو نفسه.
فالطريق ليس أن تكون أفضل من أخيك، بل أن تكون أصدق مع الله، وليس أن تنتصر لنفسك، بل أن تنتصر على نفسك.
من تأمل قصة قابيل وهابيل عرف أن أول ميادين السلوك هو القلب، وأن أول خصوم السالك هي نفسه، وأن القرب من الله لا يُنال بإسقاط الآخرين، وإنما بصدق العبودية وإخلاص التوجه إليه.
﴿ وماتوفيقي إلا بالله ﴾»
— عبد الله الهاشمي
التأويل الباطني للقرآن الكريم
https://iqtibasapp.com/q/1636
