سرّ البشارة النورانية: حين تُبشِّر الملائكة قلب السالك


 

⚜تأويل  آيات البشارة من سورة ⚜

آل عمران (42–47)

سرّ البشارة النورانية: حين تُبشِّر الملائكة قلب السالك


 يخبر الله تعالى عن اللحظة التي خاطبت فيها الملائكة مريم عليها السلام قائلة:

 

إن الله اصطفاك وطهّرك واصطفاك على نساء العالمين،


 وهذه القصة في ظاهرها بشارة عظيمة بولادة عيسى عليه السلام، لكنها في باطنها تحمل إشارات عرفانية دقيقة تتعلق بسير السالك إلى الله وكيف يتهيأ القلب لتلقي الأنوار الإلهية.


 فمريم في التأويل العرفاني ترمز إلى القلب الطاهر الذي اصطفاه الله من بين القلوب بعد أن طهّره من شوائب الهوى والدنيا، لأن القلب ما دام ممتلئًا بالأغيار لا يكون موضعًا للأسرار، فإذا خلص لله وصدق في التوجه إليه صار كالمحراب الذي تتنزل فيه أنوار الهداية.


 ولهذا بدأ الخطاب الإلهي بذكر الاصطفاء والتطهير، لأن الطريق إلى الله يبدأ بتطهير القلب من الشهوات والعلائق حتى يصبح قابلاً لفيض النور.


وحين قالت الملائكة لمريم:

 يا 

مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين


 كان في ذلك إشارة لطريق السلوك نفسه، فالقنوت هو دوام الخضوع لله، والسجود هو كسر النفس بين يدي الحق، والركوع مع الراكعين هو صحبة الصالحين والسالكين


وهذه الثلاثة هي التي تصنع في القلب استعدادًا لتلقي الفتح الرباني.


فالملائكة في الإشارة ليست مجرد مخلوقات تخاطب مريم، بل ترمز إلى الإلهامات النورانية التي يلقيها الله في قلب العبد إذا صفا قلبه، فالسالك حين يصدق في سيره تبدأ خواطر النور بالورود على قلبه، وكأن الملائكة تخاطبه في باطنه وتدعوه إلى مزيد من القرب والطاعة.


ثم تأتي البشارة العظمى بولادة عيسى عليه السلام، وهنا يكشف التأويل العرفاني عن سر عظيم، فميلاد عيسى من غير أب يشير إلى ولادة النور الروحي في قلب السالك من غير أسباب مادية، لأن المعرفة بالله ليست نتاج الفكر وحده ولا ثمرة الجهد الظاهري فقط، بل هي نفحة من الله يخلقها في قلب من يشاء من عباده. 


فعيسى في الإشارة هو روح الحياة الإيمانية التي يولدها الله في القلب بعد طول مجاهدة وصفاء، فإذا ولد هذا النور في قلب السالك أحيا روحه كما يحيي عيسى الموتى بإذن الله، فينتقل العبد من غفلة إلى يقظة ومن ظلمة إلى نور.


وعندما تعجبت مريم وقالت:

 

رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر


 فإن هذا التعجب يشبه حيرة العارف حين يرى آثار الفتح الإلهي في قلبه، إذ يتساءل كيف جاء هذا النور وكيف انفتح له هذا الباب، فيأتيه الجواب الإلهي الذي يبدد الحيرة: 

كذلك الله يخلق ما يشاء، أي أن الفتح ليس بقوة العبد وحدها بل بفضل الله الذي يفيض على القلوب ما يشاء من أنواره. 

وهنا يدرك السالك أن المجاهدة تهيئ القلب، لكن العطاء الحقيقي هو من الله وحده.


وهكذا تكشف القصة في باطنها أن كل سالك إذا طهّر قلبه من الأغيار وصبر على القنوت والسجود وصحب أهل الله، صار قلبه كقلب مريم محرابًا للنور، فإذا شاء الله أودع فيه روح المعرفة التي تحيي القلب بعد موته، فيولد فيه نور يشبه ميلاد عيسى في طهارته ونقائه، ويصبح العبد حيًّا بالله بعد أن كان حيًّا بالدنيا، وهذه هي البشارة الحقيقية التي يتطلع إليها السالكون في طريق القرب، أن يتحول القلب إلى موضع لخطاب السماء وأن يولد فيه نور يربطه بربه ربطًا لا ينقطع.


﴿وماتوفيقي إلا بالله﴾

#الطريقةالمحمديةالعليةالهاشميةالشريفة

⚜إشراقات لدنية

قناة عِلْمُ تَأْوِيلِ بَاطِنِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ* 


https://t.me/+ziHSQdEwQjkxMzRk

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال